سئلت السيدة ديل كارنيغي عما يضايقها في زوجها، فأجابت بأنه لا يقوى على المثابرة على اتباع إرشاداته، وأردفت ضاحكة: «وكلما رأيته ينساق للغضب أو يحيد عن الحكمة والروية طالبته باسترجاع الدولارات ال76 التي أنفقتها على الدراسة في معهده، لأنه - وهو صاحب التعاليم - لا يحرص على التقيد باتباعها، وفي تهاونه مؤشر على عدم جدواها»، فيهز كارنيغي كتفيه (المؤلف الأميركي ومطور دروس تحسين الذات ومدير معهد كارنيغي للعلاقات الإنسانية المولود عام 1888 والمتوفى عام 1955) ويكتفي بالرد مبتسماً: «إنني بشر... لا أتمالك أن أغضب أو أسخط، ولعل لي في ذلك بعض العذر إذ كان كونفوشيوس، وهو فيلسوف الصين وحكيمها، يشكو أيضاً من صعوبة تمسكه على الدوام بما يبشر به من تعاليم ومبادئ»، وعلى كل، وعلى رغم التوفيق الذي رافق كارنيغي إلا أنه لم يتخل عن عفويته في الحديث، وسئل عن المصدر الذي يستقي منه أقواله، فأجاب بتواضعه أنه لم يفعل أكثر من تذكير الناس بالقناعات القديمة، فمثلاً حين يرشدهم الى كيفية التخلص من القلق فهو لا يعدو عن تنبيههم للرجوع إلى الحكمتين اللتين درجوا على ترديدهما من دون أن يفطنوا للمعنى: «لا تعبر جسراً قبل أن تصل إليه»، و«ولا تبك على اللبن المراق».. فما الجديد في هذا؟ كلمة أخيرة: طلب الجد من حفيده جمع بيض المزرعة ثم فصل المشروخ منه عن السليم، فلما فعل الصغير انتهى ب300 بيضة معطوبة، فاستغرب جدّه هذا الكم الهائل، لكن الفتى أجابه: «حين دققت النظر وجدت شرخاً في كل بيضة، وكلما اعتقدت أنني أمسكت ببيضة لا صدع فيها يظل هناك شق ولو صغيراً في مكان ما»، بمعنى أن الحياة لا تعترف بالكمال، فهو ليس من صفاتها بكل ما فيها وعليها، وقد قيل: «اسع وراء النجاح لا وراء الكمال، لأن الكمال لا يعني النجاح، ولكن النجاح من شأنه أن يبرر عدم الكمال»، وهي فلسفة كثيراً ما استوقفتني لأنني وللأمانة كنت مصابة بداء الكمال، إلا أنني وجدت أنه هوس مزعج ومعطِّل، فأنت لا ترضى عن انجازك لأن عينك على الناقص الذي قصّرت في إدراكه، ومؤخر لك لأنك لا تزال مشغولاً بمثالية الخطوة الأولى التي تعطلك وتفوّت عليك الخطوة التالية، ناهيك عن سقف توقعاتك العالي والمرتبط بعلاقاتك بالآخرين، ولكن أجمل ما في الأيام أنها قد تفاجئك بنضج تضيفه إلى وعيك فتعيد تشكيلك، وكنت تنأى بنفسك عن التغيير، لتكتشف أن الدنيا أوسع من حشرها في جانب أحادي النظرة أياً كان! بل من الممتع أن نتسامح مع أنفسنا ونكون أكثر مرونة في تعاطينا مع التفاصيل. صحيح، يبقى «ستاندارد» للأشياء، ويظل التطلع للنموذج الأمثل هو المطلوب، لكنه لا يلغي جهدنا إن حاولنا ولم تأت النتيجة بالمستوى الذي يرضي غرورنا.. نعم، أتوقع أن المسألة لا تخرج غالباً عن الغرور الذي يصور لنا أن هذا ما نستحق ويليق بنا، فتأتي الأيام ويكون لها رأي آخر، ولا يسعنا إلا أن نصغي، فالكمال في الدنيا مفقود. يقول ابن الرومي: لو منح الله الكمال ابن آدم لخلده... والله ما شاء يفعلُ. [email protected]