تفجيرات الريحانية من أبرز الاعتداءات في تاريخ تركيا الحديث، فعدد القتلى قارب الخمسين، والجرحى زادوا على مئة، وعشرات المحلات والبيوت إما دمّرت وإما أكلتها النار، وبدا أن الحرب في سورية انتقلت بلمح البصر إلى الأراضي التركية، حيث رأينا في الريحانية الصور التي اعتدنا رؤيتها في نشرات الأخبار من حمص وحماة. تفجير الريحانية هو الثالث بالسيارات المفخخة، بعد تفجيري باب الهوى في شباط (فبراير) المنصرم (17 قتيلاً) وتفجير غازي عنتاب في آب (أغسطس) الماضي (9 قتلى)، ويأمل الأتراك بتوقف هذا المسلسل. جليٌّ أن المنزعجين من سياسة تركيا الخارجية يردّون عليها بتصدير الإرهاب إلى عقر دارها، والتفجيرات رسالة إلى أنقرة بوجوب تغيير سياستها إزاء سورية. المشتبه به الأول هو حزب «البعث» والاستخبارات السورية والمتعاونون معها محلياً، ولكنْ لا فائدةَ اليومَ تُرتجى من الكلام عن مشتبه بهم ومتهمين، أو من خطابات أردوغان الرنانة وتهديداته الأسد، فالخطابات هذه ربما شتتت انتباه المسؤولين عن رصد التهديد، ولم تحملهم على الحؤول دون الهجمات. ولكن، كيف آلت الأمور إلى ما آلت إليه؟ في آب 2011 قررت حكومة «العدالة والتنمية» برئاسة أردوغان إسقاط نظام بشار الأسد بكل الوسائل الممكنة، وتأليف حكومة يتولاها «الإخوان المسلمون» السوريون، فأعلنت الحرب على سورية، وفعلت كل ما يترتب على ذلك، ما خلا إرسال الجيش لاحتلالها! ووفرت تركيا الدعم السياسي واللوجستي للمعارضة السورية، وتركت حدودها مع سورية مفتوحة على الغارب أمام «الجيش السوري الحر» و«المجاهدين» وكل من يريد أن يقاتل قوات الأسد أو يمد المقاتلين هناك بالسلاح والمال والعتاد. يُذكر أن المتفجرات التي استخدمت في الريحانية، وبلغ وزنها نحو 300 كيلوغرام، أُدخلت عبر الحدود السورية التي أهملت تركيا حراستها، بقصد تسهيل مرور المقاتلين والجهاديين. خلاصة القول أن سياسة أنقرة إزاء سورية أهملت الشقين الأمني والاجتماعي، فأصبح أمن تركيا مهدداً، وصارت على شفير توتر أو حرب طائفية داخلية، كما أهمل أردوغان التداعيات المترتبة على سياسته الخارجية. ولكن، ألم يكن من الأفضل أن يولي المسؤولون الأتراك الذين يتشدقون بالسياسة العثمانية الإسلامية أو بالسياسة السنية في المنطقة، الأولويةَ لصوغ سياسة أمنية، قبل الانفلاش على الإقليم كله؟ إن الحفاظ على أمن المواطن والوطن متعذر من غير سياسات واقعية وعقلانية، والجري وراء الأحلام والنظريات غير ناجع، وقبل حفظ أمن الأتراك في أرضهم، لا يسع أحداً الزعم بأنه معني بأمن المنطقة واستقرارها، وأنه صاحب كلمة أو نفوذ فيها. فالحكومة أغفلت مشاكل تركيا، وغضت النظر عن ثغرات قدراتها والضعف في أداء جيشها وأمنها، وانتهجت سياسة حالمة وغير واقعية. * عن «مللييت» التركية، 13/5/2013، إعداد يوسف الشريف