رفقاً بالأحباب... رفقاً بالأبناء... فلذات الأكباد... أولادنا سحر حياتنا وسر جمالها، شغف الماضي، وزهور الحاضر، وأمل المستقبل، وكما تحتاج الأزهار لأشعة الشمس لتكتمل نمواً وجمالاً، يحتاج الأطفال إلى الرعاية والحب القويم الواعي... لنحمي الابن من الانحراف والجنوح في المستقبل، لا سمح الله، هذا الحب يعطي ثماره المرجوة، بشرط أن يقترن ببيت تسوده الألفة ويكتنفه التلائم والانسجام والالتزام، هناك قواعد معينة في الحياة، هذه القواعد ضرورية ويترتب على كل إنسان أن يتعلم كيف يطيعها، وكلما بكَر الإنسان في تعلم هذه القواعد، كان ذلك أفضل له وأنفع، مثلاً أن يتعلم، ومنذ الطفولة، تعذَر عمل كل ما يرغب في عمله، لا لكي يتعلم الطاعة فحسب، بل لأن هذه القاعدة تشكل جزءاً من الحياة وجانباً مهماً من التعلم الذي يكوِّن منه رجلاً ناضجاً، أو إمرأة واعية في المستقبل... هذا لا يعني أبداً أننا نريد طفلاً يطيع كل أمر يُصدر إليه، بحيث يصبح طفلاً جامداً فاقداً للقدرة الخلاقة، ومستقبلاً شاباً فاقداً لروح المبادرة، معرضاً للمخاطر والقسوة عندما يسعى لشق طريقه بالعالم المليء بالمصاعب... في المقابل لا نريد طفلاً مفسداً طاغية يجعل الحياة مرهقة لكل من حوله، هذا الطفل المفسد هو من كان والده أو أمه تلبي كل مطالبه، وهمها إرضاؤه، ولا تعرف متى يجب أن تقول له كلمة «لا» عند الضرورة. نحن نعلم أن هناك قواعد في الحياة وجدت بالفطرة، ونحن كأمة إسلامية، أنعم الله علينا بدين سمح غني بتعاليم مدنية وإنسانية وأسس تربوية تساعد وتوجه الإنسان لطريق الصواب للتعامل مع تقلبات الحياة وتربية الأبناء، لو اتبعنا هذه التعاليم السماوية من دون مغالاة أو تحريف لأغنت الإنسان البسيط، والمفكر عن كل رأي وكتاب... وهذه القواعد الضرورية هي نفسها تلك الأحكام التي علينا أن نتقيد بها لتهدينا في الحياة المدنية السليمة، فنحن مثلاً نحدد وقتاً للطعام، وآخر للنوم، وطريقة معينة للنظافة، وقواعد للمحافظة على الصحة، ونتعلم كيف نحترم ملكية الآخرين؟ وكيف نتجنب حوادث الطرق وغيرها من المخاطر؟ ونتدرب على كبت انفعالات الغضب والفرح وكيفية احترام مشاعر الآخرين. من البديهي تقبل وتعلم هذه القواعد منذ الطفولة كأمر لا مفر منه، يجعلها بالتدريج جزءاً من شخصياتنا، وهذا ما يحتاج إليه أطفالنا منذ نعومة أظافرهم وحتى يتجاوزوا سن المراهقة، وكل تلك القواعد تحتاج لحب وحنان وصداقة وبيت يضمه التفاهم والتسامح ليتشربها الطفل بسلاسة ويسر، وتكون دستوراً له في حياته، إحدى أهم الأمثولات التي تعلمتها في حياتي هي أنه لا بديل عن الإصغاء لمن نحب لنحمي ونخفف ونقوَّم قدر المستطاع. فهل نحن حقاً نحب من أنجبناهم، وهل نعطيهم الوقت الكافي للاستماع إليهم؟ لنخفف قدر الإمكان من المصاعب والمشكلات التي تعترضهم والمخاوف التي تساورهم. ليعلم كل أب وأم أن الانتباه والإصغاء والاستماع لأبنائكم هو أسمى أفعال الحب (وهذه حقيقة أكيدة) أثبتتها العلاقات الإجتماعية والعائلية بشكل عفوي، وأخذت بها الأبحاث التربوية والنفسية المهتمة بتربية الطفل وتنشئة الحدث، ليكون شخصاً مسؤولاً، فالتطابق المثير الذي كان بين إجابات الأحداث الجانحون «ذكوراً وإناثاً» في مراكز الرعاية والإصلاح عندما طرح عليهم السؤال التالي «لو كان والداك جالسين معنا الآن فماذا كان بودك أن تقول لهما؟» الإجابات المثيرة والبسيطة في الوقت نفسه كانت تساؤلات أتت كالآتي: لماذا كنتِ يا أمي أماً مهملة متراخية متساهلة؟ لماذا كانت ردود فعلك يا أبي قاسية وعنيفة في مقابل أخطاء اقترفتها من دون قصد أو سوء نية؟ لماذا يا بابا يا ماما لم تكونا صادقين معي؟ ولماذا لم تقولا الحقيقة في أمور كثيرة؟ لماذا لم تبدوا ثباتاً في فرض العقاب كي أدرك هم عواقب أعمالي التي أتخطى فيها الحدود؟ لم يكن هناك حدود ولا دستور ولا نظام في بيتنا! ولماذا لم نعرف أين أخطأنا «أبي وأمي لم يصغيا إليّ»، حتى أنني ما زلت أتساءل بيني وبين نفسي أين أخطأت، مثل يقول ليس الفخر بألا نسقط... وإنما بأن ننهض كلما سقطنا. مسؤوليتنا تجاه أبنائنا تُلزم علينا واجب مساعدتهم على النهوض بسرعة من كل سقطة، مع استيعاب العبر، ولتزداد أجنحتهم قوة وتتجدد شجاعتهم وثقتهم بأنفسهم لكي ييمموا شطر المستقبل وهم أقل رهبة وتخبطاً وضلالاً، فالدنيا تفسح الطريق لشاب يعرف أين مذهبه. هناك موضوع لا بد من العروج عليه وهو وقت الفراغ، هذا رأس المال الخطر الذي يبدأ به الشباب حياتهم، فالبعض من شبابنا يولدون وملعقة الذهب في فمهم، وهم تماماً كالفراشات التي لم تبذل أي مجهود لشق شرنقتها والخروج للحياه كبقية الفراشات، بل وجدت من ترفق بها وشق شرنقتها فكانت العاقبة وخيمة، إذ ظلت عاجزة عن الطيران. الوطن اليوم في غنى عن العاجزين الفاشلين المفتقرين للطموح والابتكار، وهو بحاجة لشباب «ذكوراً وإناثاً» لديهم البصيرة والشجاعة والخيال، كذلك نحتاج في هذا الوطن الخير، بأرضه المباركة ومسؤوليه الأكفاء المخلصين، لشباب لديهم المعرفة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية ورؤية الحياة على حقيقتها بنعيمها وشدتها، خصوصاً أن هناك هذا الرأس المال الخطر (أوقات الفراغ) يجب حسن استغلاله، خصوصاً خلال الإجازات بشكل عملي مفيد وبنَاء، والإسهام برعاية وتنمية مواهب الطفل «ذكراً أو أنثى» وتوجيهها للطريق الصحيح بشكل يستطيع الطفل أن يحمل المستقبل معه، تعبتر هذه الخطوة هي الأولى في طريق نجاح الأبناء، وهذه الرعايه تبدأ أولاً من البيت، إذ يُسمح للطفل بأن يشارك والده في إصلاح ما يعطب من أدوات منزلية، أو إصلاح دراجته، أو إعادة طلاء المنزل والعناية بالحديقة، واستنبات نباتات وزهور جديدة... إلخ، كذلك الفتاة الصغيرة لا بد لها من المشاركة في شؤون المنزل إلى جانب والدتها لتكون في المستقبل زوجة وأماً صالحة قادرة على تحمل وإدارة أعباء بيتها... قال حافظ إبراهيم «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق». نحن على يقين أن مجرى التاريخ البشري كثيراً ما يتأثر بأعمال رجال ونساء أحسنوا استخدام أوقات فراغهم بملاحقة طموحاتهم وبالمثابرة والعمل الدؤوب، رجال ونساء لم يهزمهم الإخفاق المتكرر، بل كان إخفاقهم هو الضوء الذي هداهم للنجاح «وقصة الأخوين رايت أكبر مثال على ذلك التحدي»، حتى تسنى لهما تحقيق طموحهما «صنعا أول طائرة شراعية بإمكاناتهما الذاتية»، لقد أرادا أن يكونا أشخاصاً ذوي شأن يعتد بهم، فلم يضيعوا حياتهم وأوقات فراغهم ببلاهة... ونحن كآباء وبخبرة من الحياة نعلم أن الصفعة ضرورية في الحياة للنهوض من جديد وللمساعدة وتشجيع الأبناء على السعي والنجاح والإبداع. [email protected]