ما أعجب قدر الجيل الذي ولد حول منتصف القرن الماضي! عانى في روحه وجسده وأعصابه جميع التقلصات التي كان لا بد له من تحمل عذاباتها وتناقضاتها وتحولاتها، كي يكمل رحلته الطويلة، فلعل كلامه كان أكثر من فعله، وآماله أكبر من طاقته، وسذاجاته أقوى من واقعه، ولكنه شق طريقه، يعي ما يفعل أحياناً، ولا يعيه أحياناً، وكأنما تسوقه قوى خفية، ربما يشترك مع الجيل الذي أتى بعده في البحث عن النفس، عن الهوية! ولكن الفرق أن الاعتزاز بالوطن، بالتاريخ، بوحدة الشعب كانت غاياته، ومن لحقه انشغل بمحاولاته المزعومة لإنقاذ الدين، فلا هو نجح، ولا ذاك وصل، نعم الظاهر لم ينجح أحد ولم يصل أحد! فلا وحدة تحققت، ولا أوطان رُفعت، ولا أحوال دين تحسنت، وللمفارقة، لم يجتح العصور الإسلامية على امتدادها العريض هذا الهوس المحموم في الحديث عن كل ما هو أخلاقي، فماذا كانت نتيجة مسابقات الدعاة في عصرنا تبشيراً بمجتمعات الفضيلة؟ مزيد من التردي الأخلاقي، فهل كانت أخلاقنا في زمن الخمس أو العشر دعاة مثل أخلاقنا اليوم، زمن داع لكل مواطن؟! ثم بلينا جميعاً، السابق منا واللاحق بقضية لم ينجُ منها أحد! وهي التوفيق بين القديم والحديث، فاحترنا واحتار دليلنا ماذا نأخذ وماذا نترك، ولا بد من أن نكررها في كل مرة ككرة نتجاذبها، وهي فوق البيعة ممزقة، فدائماً ما علينا أن نذكِّر أننا إنما نعني الاحتفاظ بالأصيل من قديمنا، وإضافة المفيد من جديدهم، فهل نحن ملزمون بهذه الديباجة البليدة التي لا نفتأ نرددها، أليست هي مفهومة ضمناً، فأي عاقل، وأي أمة عاقلة تدعو أبناءها إلى خلاف ذلك؟ ولكننا كعرب لا بد لنا من ذكرها وإلا خرج من يستنكر ويتوعد التغريبيين والعلمانيين بقائمة تطول لا يعرف من معناها أكثر من معرفته بلغة الأقوام البائدة، ثم يتجرأ على المجادلة من لا يزال يكتب «لكن» بلاكن، وهمزة «المرأة» تقع على سطره، وليتها وقعت على رأسه! البحث عن هوية النفس والتوفيق بين القديم والحديث هما في الحقيقة قضية واحدة لو أمعنّا، وإن بدت الصور مختلفة، والميادين متعددة حتى ليُظن أنها متباعدة منفصلة، ولكنها قريبة ومشتركة وإن اختلفت الحلول المقترحة باختلاف الطبائع، المهم في كل وقت أن ننبذ قتل النفس ووأدها معنوياً وروحياً قبل مادياً، فنطمسها ونموّعها، ونبث الشك فيها، وحتى هذه لن نحظى بها، ولكننا نذكرها بأية حال، فهل هناك من أمل؟ نعم ولكن ليس مع جيلنا المضروب، ولا مع أجيال سبقتنا فأحبطت وتصبّرت، وإنما الأمل معقود بأولئك الذين لم تتعد أعمارهم العشر سنوات، فهم المتخفّفون من أحمال ما حملنا، المتجاوزون أفلاك القديم والحديث، المقرِّرون سلفاً ماذا يريدون بدينهم ووطنهم، وإن كان أخوف ما نخاف عليهم أن تحكمهم البرغماتية في كل شيء حتى في أخلاقهم، فإن امتد بك العمر فانظر وتأمل، فهل ستتحسر على أيامك الخوالي؟ أشك، فمن يندم على زمن ولّد تمرداً أتى بأسوأ منه!! [email protected]