تهيمن على أسواق النفط تباينات واضحة في السياسات، تعكسها المصالح المختلفة لبعض الدول المنتجة والمستهلكة. وتكمن أهمية هذه المرحلة في محورية الصراع الغربي-الايراني والقيود المتشددة التي وضعها كل من الاتحاد الاوروبي والولاياتالمتحدة على تصدير النفط الايراني، من خلال العقوبات المفروضة ليس فقط على شركات النفط، كما هي طبيعة العقوبات السابقة، لكن ايضاً بمعاقبة المؤسسات المالية وشركات التأمين التي تساهم في عمليات تصدير النفط الايراني، ما يعطي بعداً جديداً لهذه العقوبات لم يكن متبعاً بهذه الشمولية او الصرامة المعهودة في العقوبات على الدول المنتجة للنفط. تشمل ردود الفعل الاساسية لمقاطعة ايران ثلاثة أنواع من الدول: فهناك اولاً، الدول المنتجة الرئيسة، وثانياً الدول المستهلكة الكبرى وعلى رأسها الولاياتالمتحدة الاميركية، اضافة الى فئة ثالثة من الدول التي كانت تتعامل استثنائياً مع ايران، كاليونان والهند على سبيل المثال لا الحصر. وكان موقف السعودية واضحاً منذ بداية الازمة، وهو ينطلق من قاعدة مبدئية أساسية، هي ان المملكة تلتزم تعويض أي نقص في اسواق النفط العالمية، لمنع ارتفاع سريع وغير طبيعي للأسعار. وهذه هي سياسة المملكة منذ عقود، وهي مبنية لخدمة مصلحتها كأكبر دولة للاحتياطات النفطية في العالم، ومن ثم يهمها استقرار أسواق النفط وامتداد استعماله لأطول فترة ممكنة. وتقوم سياسة المملكة على أساس استعمال الطاقة الإنتاجية الفائضة المتوافرة لديها لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. وتكمن مصلحتها، كما مصالح الدول المنتجة الكبرى الأخرى، في ضمان استقرار الاسعار وعدم بلوغها مستويات عالية جداً وبسرعة، بحيث تُسئم المستهلك من الاعتماد على النفط الخام وتسمح في الوقت ذاته لبدائل الطاقة بالتنافس مع النفط والحلول مكانه، ما يتعارض مع مصالح الدول المنتجة الكبرى. وفي حين تعكس هذه السياسة مصلحة المملكة، هناك أيضاً العلاقات مع الدول المستهلكة وكيفية المحافظة عليها من أجل مصلحة الطرفين، على رغم الخلاف في الاولويات. وهذا الأمر يتعلق خصوصاً بالولاياتالمتحدة، التي تتشابك مصالحها مع الدول المنتجة الكبرى في الكثير من الأحيان، لكن تختلف أولوياتها معها أيضاً مرات كثيرة، وهذا أمر طبيعي لأسباب داخلية بحتة أو دولية. وخير مثال على ذلك هذه الأيام، محاولة الولاياتالمتحدة استعمال الاحتياط النفطي الاستراتيجي المتوافر لديها والضغط على وكالة الطاقة للطلب من الدول الأعضاء أن يبادروا هم أيضاً بالسحب من مخزونهم الاستراتيجي. ولافت أن المحاولات هذه تقع في وقت تشير المعلومات الرسمية الأميركية إلى ارتفاع المخزون النفطي التجاري لدى الشركات الأميركية، ومعروف في الوقت ذاته أن الولاياتالمتحدة منذ سنوات لا تستورد أي نفط من إيران، اي ان تشديد الحصار على النفط الإيراني لا يضر بمصالحها مباشرة، كما هي الحال مع بعض الدول الأوروبية. لماذا اذاً تحاول الولاياتالمتحدة السحب من الاحتياط الاستراتيجي في وقت يعلن وزير البترول السعودي علي النعيمي أن لدى المملكة طاقة إنتاجية فائضة كافية، وأن الإمدادات المتوافرة لديها أكثر من الطلب؟ والجواب هو: لقد بلغ سعر البنزين في الولاياتالمتحدة مستوى مرتفعاً جداً، (أكثر من 3.50 دولار للغالون)، في سنة انتخابية رئاسية تحاول الادارة خلالها بكل الوسائل، كسب أصوات الناخبين. وما تقليص اسعار البنزين الا احدى هذه الوسائل. لكن، هناك سبباً آخر، وهو الشكوك المثارة حول وصول المملكة الى طاقتها القصوى البالغة 12.50 مليون برميل يومياً. ويذكر هنا ان اعلى مستوى انتاجي للمملكة حتى الآن يزيد قليلاً على 10 ملايين برميل يومياً. فكيف تستطيع الدول المستهلكة ان تطمئن الى ان المملكة لديها طاقة انتاجية اضافية بقدرة 12.50 مليون برميل يومياً. والجواب هو: ان الشركات الهندسية للدول الصناعية الكبرى ساهمت مباشرة في تطوير الحقول النفطية، بالتعاون مع شركة «ارامكو السعودية»، فهي على معرفة تامة بحقائق ما تم تصميمه وتشييده، وهذا هو الوضع في معظم الدول المنتجة. هناك ثالثاً، مسألة تلك الدول التي كانت تشتري النفط الايراني بعقود خاصة. فقد منحت ايران اسعاراً مخفضة. مثلاً، كانت ايران قد وافقت على ان تدفع المصافي اليونانية المبالغ المستحقة عليها بعد مدة ستة أشهر من استلامها الامدادات. وهذه طبعاً فترة طويلة جداً، تزيد كثيراً عن فترات الدفع الاعتيادية، ما يعني ان طهران كانت تمنح اثينا خصوماً على نفطها، نظراً الى الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي كانت تمر بها اليونان، وفي الوقت ذاته ضمان سوق لنفطها في اليونان. اما في ما يتعلق بالهند، فقد لجأت نيودلهي، تفادياً لقرارات غربية سابقة، إما الى المقايضة (نفط ايراني في مقابل بضاعة هندية مستوردة) او الدفع بالروبية الهندية، التي في نهاية المطاف يتوجب تحويلها الى ما توازيه من عملات صعبة بالفرنك السويسري او الدولار لمعرفة قيمتها الحقيقية في مقابل كميات النفط المستوردة. وطبعاً، من غير الممكن الحصول على الشروط نفسها من المملكة. تشير الصحف الى ان اليونان والهند حاولتا الحصول على شروط مشابهة، لكن يتضح ان مطالبهما رفضت. فشركة «ارامكو السعودية» هي اكبر شركة نفط في العالم ولديها قواعد تسويق واضحة وأساسية، منها عدم منح خصومات على المبيعات لسبب بسيط. فالتجارب تشير الى ان توافر نفط خام مخفض السعر، سيدفع الى هبوط سعره في الاسواق العالمية، ناهيك عن الفوضى التي سيخلقها في الاسواق. * مستشار لدى نشرة «ميس» النفطية