وجدت مدينة همشكوريب، شرق السودان، نفسها فجأة في أتون الحرب، هي المدينة المشهورة بخلاويها لتدريس القرآن الكريم وتلاوته. "الوسط" زارت المدينة التي استولت عليها أخيراً قوات المعارضة. كانت الرحلة الى شرق السودان طويلة ومرهقة لوعورة الطرق الجبلية، لكن الوعورة كانت أعمق داخل السودان. المنطقة صحراوية، لهيب الشمس محرق، السيارة تنهب الطريق متحدية المطبات والأودية والتلال، حجارة هنا ومقابر هناك لمقاتلي الثورة الاريترية في الحرب الأهلية الطاحنة بين تلك الفصائل داخل السودان في منطقة مامان، في بدايات الثمانينات أيام حرب التحرير. المنطقة قاحلة، لا ترى فيها سوى الشجيرات الشوكية المتناثرة، وأشجار الدوم في أطراف الأودية، الأرض متكسرة، خيران ومطبات ورمال. القرى التي تقع تحت سيطرة المعارضة متناثرة: مامان، بلسطاف، قرقر، مكيت، كوتنيب، خور كبريت، الى همشكوريب. أكثر من 200 كيلومتر في عمق الأراضي السودانية. كان أول من قابلنا من قوات المعارضة الرائد هاشم بدر الدين صاحب القصة الشهيرة مع الزعيم الاسلامي الدكتور حسن الترابي حين ضربه في أحد المطارات الكندية في بداية التسعينات. وهو حائز على عدد من البطولات العالمية في رياضة الكاراتيه وعلى الحزام الأسود. وبعدما انضم الى "الحركة الشعبية لتحرير السودان" تولى قيادة القوات الخاصة للواء السودان في الجبهة الشرقية. كان يحرص على حمل راديو ترانزيستور مثل بقية عناصر حركة قرنق لمتابعة اذاعة ولاية كسلا والاستماع الى الهجوم عليهم وعلى اريتريا، فيقابلون ذلك بالسخرية والضحك لأن الاذاعة تصفهم بالمتمردين والخوارج والعملاء والخونة. أما هم فيعتبرون انهم يدافعون عن قضية "لأن السلطة المركزية تهمشنا"، القائد دي واي الملقب بالارهابي يقول انه على رغم انه كان يعمل بالفلاحة في مناطق أعالي النيل في الجنوب، إلا أنه لم ير الجرار الزراعي الا في الشمال، لكنه يؤكد ان شرق السودان هو الأكثر تهميشاً. في الشرق يظل الراديو الصديق الملازم. يقولون انهم لا يصدقون عملياتهم العسكرية، حتى ولو دخلوا الى مدينة إلا اذا اذيعت في الاذاعات العالمية، أما كلام اذاعة كسلا فهو للتسلية. ويعلق المقاتل بدر الدين "يقولون ان هجماتنا هي هجوم اريتري، سترى بعينك ان كان هناك اريتريون". والمسألة الاريترية في السودان هي موضوع جدل طويل، فطوال الرحلة كانت الخرطوم تتحدث عن عدوان اريتري، الناطق باسم "الحركة الوطنية الثورية" الموالية ل"الحزب الاتحادي الديموقراطي" برر الهجوم على اريتريا من قبل الخرطوم بأنه "حالة هستيرية بسبب الهزيمة القاسية التي الحقناها بهم". وأكد معتز الفحل ان جميع فصائل المعارضة تقاتل بضراوة، وقال ان "قواتنا حاربت بكفاءة لأن الحكومة لا تريد أن تعترف بالتجمع الوطني لتشركه في المفاوضات لتحقيق السلام". وسألت "الوسط" قائد قوات "التجمع الوطني الديموقراطي" بيتر وال عن مصدر تسليح قواته فرد قائلاً: "الحكومة هي مصدرنا، من كسلا وحدها استولينا في عام 2000 على أكثر من 10 دبابات. ومن زهانة جنوب كسلا استولينا على خمس دبابات. ومن شللوب ومن خور كبريت استولينا على أسلحة. أما الوقود والتموين فمن معسكرات النظام. عليهم ان يسألوا أين ذهبت الدبابات؟ يمكنك ان تلتقط الصور لها لنقل الحقيقة الى العالم ليعرف كذب الخرطوم! أيضاً يمكنك أن تتأكد ان جميع قوات التجمع شاركت في التخطيط للعمليات العسكرية وفي تنفيذها: التحالف، البجا، الأسود الحرة، الحركة الوطنية، والجيش الشعبي. ويهدد قادة المعارضة السودانية بالزحف نحو أهداف استراتيجية، فممثل "الأسود الحرة" وهو تنظيم لقبيلة الرشايدة العربية في القيادة الموحدة سليم محمد يقول: "أمامنا الطريق الرئيسي - بورتسودان - الخرطوم، وأمامنا مدينة كسلا وطوكر، سنواصل زحفنا في الوقت الذي نقرره". في خور كبريت الذي يشكل الدفاع الحصين لمدينة همشكوريب وقعت أشرس المعارك، فقصف الدبابات والمدفعية ألهب المنطقة الساخنة، وبعد يومين تمكنت المعارضة من الاستيلاء على الموقع المهم وعلى 3 دبابات، اثنتان من طراز "55" وواحدة من طراز "البشير 1"، وهي دبابة سودانية معدلة من الصينية وتم عرضها في احتفالات العيد السابق لوصول الفريق البشير الى السلطة. المعارضون احتفوا بوقوع "البشير" في قبضتهم أكثر من الاحتفاء بالدبابتين الأخريين، إلا أن طائرة ال"انطونوف" كانت قد كثفت من قصفها لفك الحصار على "البشير 1" بتشتيت عناصر المعارضة لكنها فشلت في تحقيق الهدف سوى اصابة "البشير 1" بعطب خفيف جراء اشتعال النيران في بيوت القش القريبة من موقعها. لكن طائرات ال"انطونوف" تواصل قصف الحمم البركانية، والمدفعية من الجانبين تزيد النيران اشتعالاً وتحول همشكوريب الى مدينة من نار ورمال وشمس محرقة. وهمشكوريب هي أساساً مركز تحفيظ القرآن في السودان. وتنتشر الخلاوي في المدينة التي يتجاوز عدد سكانها خمسين ألف نسمة مع ضواحيها والقرى الصغيرة التي تحيط بها. والخلاوي مدارس تحفيظ القرآن التي تأسست في بدايات القرن الماضي، يقصدها الطلاب من كل السودان ومن خارجه، من الدول المجاورة مثل اريتريا وتشاد. وعندما دخلت اليها وجدت ان هناك حوالي 7 آلاف طفل من بينهم إناث جاؤوا من خارج المدينة لحفظ القرآن. وأسس الخلاوي الشيخ علي بيتاي وورثها عنه أحفاده من آل بيتاي، آخرهم سليمان الذي هرب لحظة اندلاع المعارك حسب رواية السكان، فهو عاد من صفوف المعارضة العام الماضي بعدما كان عضواً في هيئة قيادتها منذ دخول المعارضة الى المدينة للمرة الأولى في آذار مارس عام 2000. وهمشكوريب محفورة في أذهان المسلمين من السودانيين بشهر رمضان الكريم، إذ تواظب الاذاعة السودانية على بث آيات من القرآن الكريم قبيل إفطار رمضان يومياً من خلاوي همشكوريب. دخلت الى الخلاوي مع غروب الشمس، قبيل أذان المغرب فكانت النيران كالعادة مشتعلة، حيث كان الطلبة يتناولون وجبة العشاء، وهي وجبة فقيرة تتألف من العصيدة المصنوعة من الدقيق والماء والملح، يضاف اليها الماء من دون أي خضروات! انها الوجبة المعتادة التي يعيش عليها دارسو القرآن وعلومه سنوات طويلة، وحتى هذه الوجبة تأتي من الصدقات والهبات والمنح ودعم بعض أسر الطلبة المقتدرين، إلا أن النار تظل متقدة طوال اليوم، نار هذه الطبخة الفقيرة لآلاف الدارسين والوافدين على همشكوريب من الضيوف الذين لا ينقطع مجيئهم على رغم عناء السفر ووعورة الطريق. ونار التُقابة لقراءة القرآن في المساء. ونار التدفئة لحماية الاجساد الناحلة من زمهرير الصحراء الجافة. ترتيل القرآن لا ينقطع والنيران لا تنطفئ، هناك الحياة هادئة والاسواق تفتح ابوابها مع زيادات طفيفة في اسعار الخبز والسكر الذي ارتفع من 800 الى الف جنيه سوداني الا ان محافظ المنطقة الذي عينته المعارضة محمد اودي حذر من كارثة انسانية مرتقبة تهدد مصير اكثر من 50 الف مواطن بسبب نقص المخزون الغذائي، لا سيما 7 الاف طفل خارج المدينة لن تسمح الحكومة لهم بالعودة الى مناطقهم لاغلاقها الطريق الى المدن الاخرى، لكن السكان ابدوا لامبالاة من الواقع الجديد القديم، فقط يظهرون رعبهم من قصف الطائرات. لقد تحولت همشكوريب مرتين هدفاً لقوات المعارضة السودانية التي استولت عليها في آذار مارس 2000. ووقتها صرح رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب الامة الصادق المهدي قائلاً في قمة خلافه مع المعارضة: "ان التجمع بدلاً من ضرب روما ضرب الفاتيكان" في اشارة الى اهمية همشكوريب الدينية، فيما كان يقصد بروما مدينة كسلا وعلى رغم ان الافرقاء السودانيين كانوا يريدون المدينة منطقة منزوعة السلاح، الا ان الصراع السياسي اجج نيران الصراع فأشعل المنطقة، وفي تشرين الاول اكتوبر عام 2000 تمكنت القوات الحكومية من استرداد المدينة، لكن الهدوء لم يستمر فيها فعادت المعارضة بعد عامين لتستولي عليها للمرة الثانية. وتشاء الصدف ان يكون القائد جون مانرو هو الذي استولى على المدينة في المرتين. سألته "الوسط" عن قصته مع همشكوريب فقال: "ليس لي معها قصد سوى انها اسهل الطرق لتقدمنا الى الامام ولو كان ذلك سيتحقق عبر اي طريق آخر لاخترناه ايضاً، وهمشكوريب مدينة دينية ونحن نحترم ذلك ولسنا ضد الاسلام كما يشيع نظام الخرطوم… وبالمناسبة هناك آلاف من دارسي القرآن يعيشون في ظروف سيئة نرجو عبركم ان نخاطب المجتمع الدولي لتقديم العون العاجل لهم لانقاذهم مع الآخرين من سكان هذه المنطقة المهمشة". وعن الاسباب التي دفعته الى سحب قواته شدد القائد المعارض على ان "الحفاظ على ارواح المدنيين كان السبب، فالقصف الحكومي كان مكثفاً ومستمراً فأرعب المدنيين، وحتى لا نكون السبب سحبنا قواتنا". لم اغادر المدينة قبل لقاء الاسرى، كانوا 131 اسيراً حكومياً اكدوا حسن المعاملة التي يلقونها من المعارضين، اما المسؤول عن الاسرى فقال: "انهم اخواننا وان كانوا يقاتلون مع النظام، فهم مجبرون على ذلك، وكما تلاحظ بينهم اطفال تحت السن القانونية! نحن نحترم حقوق الانسان وحقوق الاسرى وسنتصل باللجنة الدولية للصليب الاحمر للتعرف على احوالهم. نعرف ان النظام يقتل اسرانا لكننا نحن لا نفعل ذلك، وسبق ان ابدينا استعدادنا لاطلاق بعض الاسرى الا ان الخرطوم ترفض الاعتراف ان لها اسرى، وما زلنا ننتظر موافقتها ليعود اولئك الى اهلهم". غادرت المدينة مع مرافقي الرائد ياسر جعفر الذي ترك لي كامل الحرية في ان اذهب الى حيث اشاء وان اسأل ما اشاء من اسئلة