التشكيل المتوقع لمباراة الهلال والنصر في ديربي الرياض    فلكية جدة : التربيع الأول لشهر شوال يزين السماء الليلة    دوري روشن المحطة الجديدة؟ دي بروين يرحل عن مانشستر سيتي    إمام المسجد الحرام: الثبات على الطاعة بعد رمضان من علامات قبول العمل    إمام المسجد النبوي: الأعمال الصالحة لا تنقطع بانقضاء المواسم    بلدية رأس تنورة تختتم فعاليات عيد الفطر المبارك بحضور أكثر من 18 ألف زائر    المملكة تدين وتستنكر بأشد العبارات للتصعيد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة    طيف التوحد... لغز العصر الحديث وهمّ الإنسانية    نائب أمير مكة يدشّن معرض "في محبة خالد الفيصل" في جدة    رابطةُ العالم الإسلامي تُدين الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية    أمطار رعدية على معظم مناطق المملكة    جمعية «شريان» بجازان تعايد مرضى مستشفى الأمير بن ناصر    العماد والغاية    حظوظ «الأخضر» في التأهل تزداد    ماجد بن سعود الشعيفاني عريساً    نيوكاسل.. التجربة المفرحة    قوميز في مؤتمر صحفي: جاهزون لمواجهة الفيحاء وهدفنا تحقيق الفوز    إقبال كبير على الجناح السعودي في معرض بولونيا الدولي للكتاب    نهضة وازدهار    رؤية متكاملة لتنظيم سوق العقار    شكراً ملائكة الإنسانية    النوم أقل من سبع ساعات يوميًا يرفع من معدل الإصابة بالسمنة    بريد القراء    ولي العهد والرئيس الإيراني يبحثان في اتصال هاتفي تطورات الأحداث في المنطقة    حرب «المسيّرات» تكلفة رخيصة للمهاجمين وخسارة كبيرة للمدافعين    جزر فرسان.. طبيعة وفعاليات بحرية    المَلّة والعريكة.. تزينان موائد عيد الطائف    وسط إقبال كبير.. «الترفيه» تصنع المسرح    تشيلسي يفوز على توتنهام ويعود للمركز الرابع    فرع هيئة الصحفيين بحفر الباطن يقيم حفل معايدة للإعلاميين والإعلاميات بالفرع    مدرب الأهلي "يايسله" قبل مواجهة الاتحاد: لانخاف من أي منافس ولن أتحدث عن تفاصيل المباراة    «ستاندرد اند بورز» يخسر 2.4 تريليون دولار من قيمته السوقية    نائب أمير الرياض يعزي زبن بن عمير في وفاة والده    نجوم الفن العربي يتألقون في ليلة دايم السيف اليوم بجدة    السعودية تدين وتستنكر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق مختلفة في سوريا    الملك وولي العهد يعزيان عضو المجلس الأعلى حاكم أم القيوين في وفاة والدته    مركز 911 يستقبل أكثر من 2.8 مليون مكالمة في مارس الماضي    نفاذ نظامي السجل التجاري والأسماء التجارية ابتداءً من اليوم    المملكة تستضيف "معرض التحول الصناعي 2025" في ديسمبر المقبل    المملكة تدين اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي للمسجد الأقصى    العثور على رجل حي تحت الأنقاض بعد 5 أيام من زلزال ميانمار    ودعنا رمضان.. وعيدكم مبارك    أكثر من 122 مليون قاصدٍ للحرمين الشريفين في شهر رمضان    الجيش اللبناني يغلق معبَرين غير شرعيَّين مع سوريا    المملكة تحقِّق أرقاماً تاريخية جديدة في قطاع السياحة    الدول الثماني الأعضاء في مجموعة أوبك بلس يؤكدون التزامهم المشترك بدعم استقرار السوق البترولية    الأونكتاد: سوق الذكاء الاصطناعي يقترب من 5 تريليونات دولار    بلدية محافظة الأسياح تحتفي بعيد الفطر وتنشر البهجة بين الأهالي    بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر المبارك    الدفاع المدني: استمرار هطول الأمطار الرعدية على معظم مناطق المملكة حتى الاثنين المقبل    أكثر من 30 فعالية في (٨) مواقع تنثر الفرح على سكان تبوك وزوارها    وزارة الصحة الأمريكية تبدأ عمليات تسريح موظفيها وسط مخاوف بشأن الصحة العامة    ترحيب سعودي باتفاق طاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان    طيفُ التوحدِ همٌ أُمَمِي    محافظ الطوال يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك في جامع الوزارة ويستقبل المهنئين    باحثون روس يطورون طريقة لتشخيص التليف الكيسي من هواء الزفير    جمعية " كبار " الخيرية تعايد مرضى أنفاس الراحة    الأمير سعود بن نهار يستقبل المهنئين بعيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القرن العشرون في علاماته ومغامراته الانعطافية . النظام التوتاليتاري ولده الذل وساق الناس الى الحروب والموت 3
نشر في الحياة يوم 06 - 12 - 1999

في 20 نيسان ابريل 1917 دعا فلاديمير ايليتش لينين الى "جمهورية سوفياتات" روسية تحل محل جمهورية كيرنسكي الديموقراطية. الدعوة التي أطلقها زعيم الحزب البلشفي ومنذ 1918 الحزب الشيوعي لم تراع ان تلك الجمهورية لم ينقض عليها الا شهر واحد، وأنه يلزمها زمن أطول بكثير حتى تتغلب على مشكلات في حجم الحرب العالمية الأولى وهزائمها، وأزمة الأرض والفلاح المزمنة، وتمرد الجمهوريات والقوميات الخاضعة طويلاً للقيصرية.
لم يكن لينين باحثاً عن أعذار للسلطة الجمهورية. كان يبحث عن السلطة. وجاء قمع انتفاضة في بتروغراد في تموز يوليو ليحوّل الدعوة التي حملتها "أطروحات نيسان" الى واقع. فقائد الجيش الكولونيل كورنيلوف كان قد شن في ايلول سبتمبر محاولة انقلابية لم يُكتب لها النجاح، أراد منها بدوره دفع الجمهورية الى الموقع النقيض للذي أراد لينين دفعها اليه. وبالاستفادة من الفجوة بين النظام الجمهوري وجيشه المفترض، وفي خضم الأزمات المتوارثة الكثيرة، ومحدودية قدرة كيرنسكي على الحركة، سيطر البلاشفة على أكثرية السوفياتات في موسكو وبتروغراد، فتمت ثورتهم في 24-25 تشرين الأول اكتوبر بحسب التقويم القديم، أو 6-7 تشرين الثاني نوفمبر بحسب الجديد.
كل السلطة للسوفياتات
قوات عسكرية مشكلة من الحرس الأحمر فصائل العمال المسلحين، وبحّارة من قاعدة كرونستاد البحرية، وجنود متمردون آخرون اقتحموا "قصر الشتاء" ومقار حكومة كيرنسكي المتداعية. وأُعلن عن وضع السلطة كلها في عهدة سوفياتات العمال والجنود والفلاحين، أي المجالس التي كانت نشأت في موازاة مجالس السلطة. كذلك ألغيت الملكية الخاصة للأرض، وتم تمرير قانون يؤكد سيطرة العمال وسلطتهم على المشاريع الصناعية كافة، وهو ما تلاه في 1918 تأميم ما ينوف عن 96 في المئة منها. وتشكلت "مفوضية الشعب" بديلاً من الحكومة، وتربع لينين في رئاستها.
اجتمعت الجمعية التشريعية التي كانت قد انتخبت بالاقتراع الحر في بتروغراد في مطالع 1918. ولما كانت غالبية النواب من حزب الاشتراكيين الثوريين، حلها البلاشفة بعدما اعتدى عليها البحارة المؤيدون لهم حائلين دون اجتماعها. هكذا أصبحت السوفياتات، في ظل سيطرة الحزب الشيوعي، المصدر الأوحد للتشريع والقرار. أما المعارضة السياسية من قبل أحزاب اشتراكية اخرى، فتم التسامح معها على نطاق ضيق في السنتين الأوليين، ثم بدأ استئصالها الكلي ابتداء بالعام 1919 في موازاة الحرب الأهلية ضد البيض وبذريعتها.
وحصل الانقلاب الرؤيوي الممتد من تعديل معاني الالقاب والاعراف بما جعل تعابير بورجوازي واريستوقراطي شتيمةً، الى احلال الالحاد "ديانة" رسمية. كان هذا هو التأسيس لما بات يُعرف لاحقاً بالنظام التوتاليتاري. وسارع بلاشفة من غير الروس الى تطبيق هذا النموذج، فظهرت أنظمة لم تعمّر طويلاً تزعمها الشيوعي بيلا كون في هنغاريا، والشيوعي الآخر كورت ايسنر في بافاريا. غير ان النجاح كُتب للنظام التوتاليتاري في مكان آخر، وبإيديولوجيا أخرى ليست فقط غير شيوعية، بل، والى حد بعيد، رد على الشيوعية وانفعال بها.
المسيرة الى روما
ففي الحرب العالمية الأولى انتصرت ايطاليا من ضمن تحالف المنتصرين، إلا ان شركاءها الأقوى حرموها جميع الثمار التي طلبتها لنفسها. فما ان اختُتمت فصول الحرب حتى انفجرت أزمة اقتصادية واجتماعية بالغة الحدة حملت الشبيبة، وبأعداد متعاظمة، على التفكير في تقليد الثورة التي مثّلها بلاشفة روسيا. وفي مقابل توقع وصول الشيوعيين الى السلطة في أية لحظة، بدت الحكومة والبرلمان عاجزين كلياً عن وقف التداعي والفوضى.
وكان لتدهور الأوضاع ان اطلق استجابات حادة. وهنا ظهر الاشتراكي السابق والصحافي الديماغوجي بينيتو موسوليني، الذي سبق ان دافع بحماس عن دخول بلاده الحرب الى جانب الحلفاء. فالرجل والحركة الفاشية التي انشأها ظهرا للكثيرين بمثابة العلاج المطلوب للأزمة المتمثلة في الانهيار الاقتصادي والفوضى والتهديد الشيوعي من دون اي اشباع للكرامة القومية.
لقد انشأ موسوليني حركته في ميلانو في آذار مارس 1919 من دون أي برنامج محدد. وشيئاً فشيئاً بدأ يجمع شتات أفكار ومواقف أهمها قومية الطبقة الوسطى وخوفها، فضلاً عن خوف الطبقات العليا، من البلشفية.
وبعد عدد من أعمال كسر الاضرابات ومعارك الأيدي والسكاكين في الشوارع، "اقتنع" موسوليني في أواسط 1922 بضرورة احداث الانقلاب. فالحكومة ضعيفة واليسار برهن على انه اضعف مما توقع، فيما القوى الديموقراطية مقسمة وعاجزة.
وفي 22 تشرين الأول "هجم" خمسون الف فاشي على العاصمة في ما عُرف ب"المسيرة الى روما"، وكانوا، وحلفاؤهم، لا يمثلون إلا أقلية في البرلمان. يومها كان يمكن للحكومة وقفهم بإبداء بعض القوة والقمع، إلا أن الملك أمر شخصياً بالسماح لهم ان يدخلوا المدينة. وعندما استقال رئيس الحكومة لويجي فاكتا وحكومته احتجاجا، طلب الى موسوليني ان يشكل حكومة جديدة. أما البرلمان الذي اعتقد نوابه ان في وسعهم المحافظة على الحريات الشخصية وعدم المساس ببُنية النظام، فصوتوا بمنح الحكومة الجديدة سلطات كاملة.
وسرعان ما تبين ان البرلمان انما عمل على اقامة ديكتاتورية، جاءت باكورتها في القانون الانتخابي لتشرين الثاني 1923 الذي ضمن للحزب الفاشي غالبية دائمة في البرلمان، فيما أسكتت المعارضة بكثير من العنف والارهاب. بعد ذلك تقدم موسوليني ليحل الاحزاب جميعاً ما عدا حزبه، فيما انشئت محكمة ل"الجرائم السياسية" وأصبح المجلس الأعلى للحزب الفاشي الهيئة الأعلى للدولة. وبدوره اضحى الحزب الحاكم يسمّى النواب لبرلمان يكتفي بالبصم على القرارات. كذلك اسست ميليشيا تعتمد مباشرة على الحزب ولا تعود الا اليه، وأصبح موسوليني "الزعيم" الدوتشي ديكتاتور ايطاليا المطلق.
صعود هتلر
ولم تنقض الا سنوات قليلة حتى نشأت التوتاليتارية الثالثة التي بزّت سابقتيها بأشواط. ففي المانيا ظهرت علائم الضعف على الاستقرار السياسي منذ قيام جمهورية فايمار بعد الحرب العالمية الأولى. ذلك ان قطاعات عريضة من السكان تحفظت حيال هذه الجمهورية وعادتها، هي التي ارتبط قيامها بالهزيمة ومعاهدة فرساي المجحفة والتضخم والأزمة الاقتصادية، فضلاً عن الضغوط الخارجية ونمو التطرف في الداخل وبين الشبيبة.
لقد عبرت الطبقات الوسطى المأزومة، والخائفة من السابقة الثورية ل"عصبة سبارتاكوس"، عن حنين الى العهد الذهبي للامبراطورية الألمانية حين كانت البلاد أقوى القوى الاوروبية. وبكثير من التردد أدى الموظفون والعسكريون، وهم شديدو المحافظة والتعلق بالتقليد الامبراطوري، خدماتهم للجمهورية، من دون ان يرقى ذلك اطلاقاً الى الطاعة التي كانوا يمحضونها للامبراطور. ولئن بدا في 1918، حين كان الاشتراكيون الديموقراطيون هم الحزب الحاكم، ان في الوسع اجراء اصلاحات جذرية تطول البيروقراطية والجيش، فهذا لم يتحقق لخوف القادة الاشتراكيين من ردات الفعل المتطرفة والثورية.
لكن ما بين جبن كهذا، وتعاطف ضمنيّ مع الحزب النازي وصل الى تمويله من قبل بعض كبار الصناعيين، تحول مهرج معتوه اسمه أدولف هتلر الى الفاعل الأكبر على المسرح السياسي.
فحين أعلن الرئيس هندنبرغ، مطلع 1933، عن تشكيل حكومة جديدة "تضع حداً لفوضى الماضي"، بدا ان الاتجاه حاسم للقطع مع جمهورية فايمار، ولترك النزعة السلطوية تستولي على المقاليد. وكان الحزب النازي القومي الاجتماعي من أهم قوى الوضع الجديد بأيديولوجيته التي لفقت خليطاً من العرقية والعداء للسامية والاشتراكية الشعبوية، بهدف الوصول الى ديكتاتورية تدمج الأمة في كلية عضوية واحدة، وتكون لحمتُها درجة قصوى ودائمة من التعبئة السيكولوجية والعسكرية. وكان لجلافة النازيين وغموض أفكارهم معطوفين على رداءة وعامية قياداتهم، ان أوحت لشركائهم في الحكم من "الحزب القومي"، أن في وسعهم استخدام حركة هتلر الجماهيرية لأغراض اقامة حكم يميني عادي. وما بين تغلغل في جهاز الشرطة وتودد الى قيادات الجيش، واحراج لليمينيين العاديين وتخويف لهم بالطاقة الجماهيرية التي يملكونها، تقدم النازيون لاحراق مبنى الرايخستاغ في 27 شباط فبراير، متهمين الشيوعيين بذلك. لكن الحادثة هذه كانت ذريعتهم لفرض حالة طوارئ عطلت الكثير من الحقوق الأساسية التي منحها دستور جمهورية فايمار، ومهدت لقمع واضطهادهم الشيوعيين والاشتراكيين الديموقراطيين.
وحين أجريت الانتخابات في 5 آذار مارس نال النازيون 45 في المئة من الأصوات، فظلوا، على رغم هذا الانتصار المدوي، بحاجة الى اليمين العادي لبلوغ الأكثرية التي تتيح لهم تعطيل الدستور كلياً. وبالاغراء والتهديد والابتزاز والرشوة وتخويف الخصوم سيطروا على الأكثرية، فمرر الرايخستاغ في 23 آذار قانوناً يعلن قيام ديكتاتورية "الحكومة الوطنية" للرايخ الثالث، وقُدمت الديكتاتورية بوصفها وريثاً شرعياً لامبراطوريتين المانيتين سابقتين: الامبراطورية الرومانية المقدسة وامبراطورية بسمارك بعد وحدة 1871.
هكذا كُتب لأعظم شرور القرن العشرين ان ينشأ ويتوطد، مُلغياً كل ما كان قائماً، معمولاً به أو متعارفاً عليه، في الحياة الألمانية. وهذا ما لم تُكتب نهايته الا بالدمار الفظيع الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية، في موازاة مآسٍ هيولية نزلت باليهود والغجر.
والحال ان انهيار التوتاليتاريتين المتحالفتين، الألمانية والايطالية، في الحرب المذكورة، منح التوتاليتارية الثالثة، السوفياتية، حياة واتساعاً جديدين. فما لبث بعد تلك الحرب ان نشأ معسكر سوفياتي في بلدان كثيرة من اوروبا الوسطى والشرقية، كما انتصرت ثورة قادها الشيوعيون في الصين عام 1949، لتتمدد الشيوعية الحاكمة، من ثم، الى بلدان عدة في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية. وهذه الأنظمة جميعاً حاكت النموذج السوفياتي، على نحو أو آخر، في تنظيم المجتمع وتعريف النشاط السياسي.
لكن بينما كانت التوتاليتارية اليمينية الألمانية أشرس من زميلتها اليسارية السوفياتية وأوحش، فإن الأنظمة التي حذت حذو الثانية بدت أقرب الى مواصفات التوتاليتارية الكلاسيكية من تلك التي حذت حذو الأولى. أي أن الأنظمة اليمينية التي نشأت في اسبانيا فرانكو وبرتغال سالازار وأرجنتين بيرون وما لا يُحصى من بلدان في اميركا اللاتينية، بقيت أقرب الى الديكتاتوريات العسكرية منها الى التوتاليتارية. والسبب في ذلك ان الأنظمة الاشتراكية، تبعاً لظافريتها وشعورها بالقوة فضلاً عن انقطاعها عن أي احتكاك ايجابي بالغرب الليبرالي، تجاوزت الأنظمة اليمينية المشابهة التي عاشت الى ما بعد سقوط النازية والفاشية، وكانت مضطرة الى عدم قطع شعرة معاوية مع الغرب الليبرالي، فيما كان هذا الأخير بدوره يغض النظر عن تركيبتها وانتهاكاتها حرصاً على التحالف معها ضد الشيوعية.
ثورية وخرافة
لكن ما هي "توتاليتارية" القرن العشرين التي غدت في السنوات الأخيرة على كل شفة ولسان؟
واقع الحال ان تعريف هذا المفهوم صعب، شأنه شأن تعريف المفاهيم عموماً. الا أننا هنا، نصطدم بصعوبة اضافية مصدرها درجة الالتباس والتداخل بين التوتاليتارية من جهة، والسلطوية والاستبدادية والديكتاتورية العسكرية من جهة أخرى.
فمن سمات معظم التوتاليتاريات أنها ثورية تحاول هدم المؤسسات والأعراف والمُلكيات، وغالباً ما ترتبط ثوريتها هذه بانشداد الى خرافة ماضوية أكانت على شكل مجتمع عرقي تيوتوني مؤمثل، أم على شكل طوبى مساواتية. وهذه العودة الثورية و"العلمية" الى الماضي المتوهم هي التي تتحول غرضاً وهدفاً مطلقين. وفي المعنى هذا تغدو الوسائل مبررة كلها: فالكذب مطلوب، كما كان يلح غوبلز، والأخلاق "بورجوازية عفنة" كما ألح الستالينيون، والبرلمانية سخافة ومسرحية لا بأس في الانخراط بها للوصول الى السلطة إلا ان من البله اعادة تسليم السلطة بموجبها الى طرف آخر. فالديموقراطية، في عرف التوتاليتاريين، موضوع هجاء ونبذ متواصلين.
والغاية هذه، أي الانتصار للقضية الأيديولوجية، تحل القتل وتستهزئ تماماً بالقضاء وحق الدفاع القانوني عن النفس. إذ ان حفنة من البشر، كاليهود في المانيا أو الفلاحين الكولاك في روسيا، ليسوا سوى "فائض" يمكن ببساطة الاستغناء عنه في سبيل الغاية حيث تكمن مصالح الأكثرية العريضة من السكان. لهذا يصير الموت احتمالاً دائم المصاحبة للنظام التوتاليتاري، والشيء نفسه يصحّ في الحروب: فالنظام التوتاليتاري في تفضيله العنف على الرخاء والدعة، وفي قدرته على اعلان حروب من دون مراجعة الرأي العام ومؤسساته، وفي ميله الى اختراع مشكلات وهمية تتحول بها الأنظار عن الهموم الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، يرفع الحرب والتوسع في فرضية دائمة الحضور.
واذا كان لا بد من عبادة الغاية، أتجسدت في أمة أو دولة أو عرق أو طبقة، فإن العبادة هذه لا تلبث ان تتشخص في "الزعيم" الحاكم على مدى الحياة، الذي لا يقبل النقد ولا يمكن ان يرتكب الخطأ، على النحو الذي كانه موسوليني وستالين، وبالأخص هتلر.
وفي موازاة ذلك ينشأ النظام الأقدر على ايصال المجتمع الى هذه المحطة. فهو نظام رأي واحد، لا مكان فيه للمعارضة والاختلاف. ومن أجل ابقاء المجتمع يقظاً على خرافته ينبغي المضي في اختراع العدو الذي يخالف هذا الرأي الواحد، وينبغي التذكير به بلا انقطاع. فالمطلوب أيضاً ابقاء المجتمع معبأً ضد هذا العدو، بالمهرجانات والمسيرات واستعراض السلاح كما عبر الشعارات والرموز وسائر الطقسيات الجمعية.
فمثلما انبثق معظم الأنظمة التوتاليتارية عن حروب وأزمات مفتوحة، مستفيداً مما يصاحب هذه الأوضاع من تفكك سكاني وانهيار معنوي واستعداد للتسليم بالخرافات، ينبغي ابقاء الشعوب مسكونة بشبح الحروب والأزمات، فلا تطمئن ولا تسترخي فيما العدو يخطط ويتآمر ويتأهب للانقضاض! ومثلما يصار الى تعظيم الحشد أو الجماهير التي تسحق المؤامرة، يصار الى التخويف من الاحتكاك بكل جسم غريب أو وافد أو مشبوه، فتنمو في المجتمع التوتاليتاري نزعة ضيقٍ محلي تجد استكمالها في تطوير أجهزة المخابرات وتقنياتها.
وهنا يلعب التسييس الكامل للمجتمع دوره، اذ "كل شيء سياسة في النهاية"، وما العلوم والآداب والفنون الا وسائل في نشر الفكرة السياسية والدفاع عنها، بينما يصير الانتاج المعبر عن مزاج وحال شخصيين مجرد مرآة لنشاط فردي مريض ومُدان ومُعاد. فالمهم، في التوتاليتارية، ليس حرية الأفراد بل خلاص الشعوب عن طريق الفكرة الواحدة التي توفر بلوغ هذا الخلاص المزعوم.
المعاقل الأخيرة
لكن التوتاليتارية اذا اختلفت عن الديكتاتورية العسكرية في امتلاكها فكرة ايديولوجية مانعة وصارمة، فإنها تختلف عن أنماط الاستبداد القديم في انها مؤسسة على حداثية تنظيمية تتجسد في العقيدة والحزب والجيش والتنظيمات الأخرى الموازية للسلطة. وهنا لا بد من الاشارة الى انها فيما تعبد الدولة والسلطة، تحولهما الى عدد من الأجهزة المتنافسة التي لا تلتقي الا في يد الزعيم وفي قراره، وتخضعهما لسلطة موازية أعلى هي سلطة الحزب.
كذلك تختلف التوتاليتارية عن الديكتاتورية والاستبداد معاً في انها عضوية تُحكم الربط بين مراكز السلطة السياسية والمجتمعية، مثلما تُحكمها بين حقول ومجالات الانتاج الفكري والأدبي والعلمي. وفي هذا المعنى الدمجي الذي اشتُقّت منه أصلاً كلمة توتاليتارية تتسلل عقيدة الحكم الى البيوت، من خلال برامج التعليم كما عبر تحويل الأبناء جهازاً ملحقاً بالسلطة التي تحل محل الأب البيتي. وقد يمارس هذا الجهاز التجسس والتنصت على الآباء "الضالّين" وغير العارفين بمصلحتهم ومصلحة الشعب. وما يحصل في البيوت يحصل في المدارس والمستشفيات ومراكز البحث العلمي والصحف وسائر البنى والمؤسسات المدنية والرسمية. والراهن ان النظام التوتاليتاري تلقى ضربتين كبريين في هذا القرن الذي يمكن وصفه بقرن ولادة التوتاليتارية وانهيارها. فقد جاءت الأولى مع الحرب العالمية الثانية التي أطاحت الألمانية والايطالية. وحلّت الثانية مع تصدع المعسكر السوفياتي، والاتحاد السوفياتي نفسه، في 1989-1990.
وفي المقابل تراجعت انظمة توتاليتارية عدة، كالصيني والفيتنامي، الى مصاف أنظمة سلطوية تعترف باستقلالية بعض فروعها عن شبكة السلطة، فتحرر الاقتصاد أو تتيح قدراً من حرية الصحافة أو من حرية القضاء، الا انها لا تقبل بمساءلة النظام السياسي وطابعه الاحتكاري. وهذا العد العكسي من التوتاليتاري الى السلطوي اذا كان يشي بأزمة التوتاليتارية في زمننا، الا انه يتيح لأصحابه مرونة أكبر: فالنظام، بعد تجديد جلده، لا يعود يسقط كله بمجرد ان تتفاقم احدى أزمات فروعه وأطرافه.
وفي الحال هذه يبدو ان العراق وايران وكوريا الشمالية غدت، بقدر من التفاوت، المعاقل الأخيرة لنظام يذوب ويضمحل في العالم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.