يدرك المسلمون الذين يترددون على المساجد ودور العبادة او حتى الذين لا تسمح لهم ظروفهم بالانتقال من منازلهم خلال شهر الصوم في الغربة ان شهر رمضان المبارك مناسبة لتذكيرهم بالأيام والليالي التي تعودوا على قضائها في دولهم بكل ما تحتويه من شكليات، تبدأ بمدفع الافطار، وارتفاع صوت المؤذن، وانتهاء بالمسحراتي وصلاة العيد، واللقاءات العائلية، والأكلات الشعبية التقليدية التي تميز افطار كل يوم من أيام الشهر المبارك. وإذا كانت ظروف العمل والمسافات التي تفصل بين صديق وآخر، وعائلة وأخرى، تحول دون الالتفاف حول مائدة واحدة بشكل يومي خلال فترة الصيام، فإن معظم المسلمين يستغلون عطلة نهاية الأسبوع ليزور بعضهم بعضاً ليحاولوا التعويض عما يفتقدون اليه في غربتهم. تقول سيدة عربية في لندن انها تحن لسماع صوت أذان الفجر وما يواكبه من تواشيح دينية وأدعية رمضانية، والى صوت المسحراتي وهو يحاول جاهداً اسماع صوته الجهوري الى كل أهل الحي وإيقاظ أكبر عدد منهم، والى هرولة الأطفال البريئة نحو موائد الطعام للقضاء على ما تبقى من طعام الافطار عند السحور. وقال الدكتور رأفت ماهر، وهو مصري يقيم في بريطانيا منذ زمن بعيد، انه يحن الى ليالي رمضان في القاهرة والأجواء التي تبعثها، والى التضامن والتكافل بين الناس. وأضاف الطبيب المصري الذي يقيم مع اسرته في احدى ضواحي لندن: "أحرص مع أسرتي على الحفاظ على الأجواء الرمضانية من خلال تبادل دعوات الافطار مع الأصدقاء وعائلاتهم لكي نضمن ان اولادنا وبناتنا يستمتعون بهذا الشهر المبارك، ويستفيدون من معانيه". وقالت السيدة شادية حامد وهي صحافية من السودان ان زيادة عدد أفراد الجالية السودانية في بريطانيا والبث الفضائي التلفزيوني العربي ساعد العرب والمسلمين في الغربة على ان يكونوا أكثر قرباً من أجواء بلدانهم عما كانوا عليه في السابق. وأضافت ان الدعوات الى الافطار خلال شهر رمضان من قبل الأصدقاء "تهدف الى احياء التقاليد والعادات التي تربينا عليها في بلداننا". وذكرت شادية حامد ان الوجبات السودانية التي اعتادت على تناولها في بلدها موجودة بشكل وفير في لندن وغيرها، وأضافت: "الكثير من السودانيين يزودون اصدقاءهم بالأشياء التي تنقصهم من المواد التي تستعمل في صنع الأطباق السودانية التقليدية كالعصيدة والقُرَّاصَة والطَعْمِيّة الفلافل والحلويات وأصناف العصير الخاصة بالمائدة الرمضانية السودانية. وتحرص الجاليات العربية المختلفة على اقامة دعوات الافطار والحفلات التي تنتهي بتناول السحور كما حصل في مناسبة دعت اليها الجالية الفلسطينية حيث تبارى بعض المدعوين في الذهاب بالزي التقليدي في حين اصطحب آخرون النارجيلة والعود وأكلاتهم التقليدية. ورأت السيدة ابتسام الانصاري من الجمعية الخيرية للسيدات السوريات في بريطانيا ان الدعوات التي توجه لحضور حفلات الافطار خلال شهر رمضان تهدف الى أغراض عدة، منها جمع شمل العرب الموجودين في الخارج، إذ تخفف هذه اللقاءات شيئاً من عدم وجود الأهل مع المغترب في هذا الشهر الكريم. والأمر الثاني "اننا على رغم وجودنا في الغربة لا نزال نفكر بأوطاننا وبالناس المحتاجين فيها ونحاول ان نقوم بأشياء بسيطة لارسال أي معونة قبل حلول العيد". وأشارت الى المستفيدين من تبرعات الجمعية الخيرية السورية قائلة: "ان هناك جمعيات خيرية في كل محافظات سورية تستفيد من تبرعاتنا. أيّ جمعية خيرية تبعث لنا برسالة تذكر لنا احتياجاتها، نقوم نحن بكل ما في وسعنا لمساعدتها. هناك من يطلب المساعدة في ترميم حضانة أطفال، او تصليح باص لنقل الطلاب. في مدينة حمص ساعدنا في انشاء عيادة مجانية، وفي مدينة حماة ساعدنا بتقديم ماكينات للخياطة لتعليم الفتيات مهنة تساعدهن في كسب لقمة عيش شريفة". وأضافت: "نحن نفضل عادة ان ننفذ مشاريع على ان نقدم أموالاً". وأشارت الى التنسيق مع الجمعيات النسائية العربية الأخرى في بريطانيا، فذكرت انه في حدود العلاقات الاجتماعية "إذ نحاول ألا يكون هناك تعارض في مواعيد النشاطات التي ننظمها سواء في شهر رمضان أو غيره، نحاول ان نقدم الدعم لأي جمعية تقوم بنشاط خيري، وهم بالتالي يدعموننا في نشاطاتنا". وسألتها "الوسط" عن معاني شهر الصوم لديها، فأجابت: "انه يذكرني بطفولتي عندما كنت انتظر شهر رمضان بأكلاته المميزة ولقاءاته التقليدية وسهراته الجميلة. صحيح انه في الغربة يختلف عنه في الوطن، إذ ان ما يشغل بالنا هو محاولة تذكر معاني هذا الشهر في بلادنا ونقل ذلك الى أطفالنا، لأن في ذلك ما يحول دون ان تضيع قيمنا او تذوب في المجتمعات التي نعيش فيها". ان ما يفتقده العرب والمسلمون في الغربة هو تلك اللقاءات التي تجمع الاسر بحكم طبيعة الحياة. في الغربة يتحكم بالأسرة نمط العمل ومكان الاقامة والمسافات البعيدة. عدم وجود الجو العام الذي يؤمنه شهر رمضان له اثره، إلا لا مجال لسماع طلقة مدفع ترافق أذان المغرب ايذاناً بحلول وقت الافطار، وما يعقب ذلك من سكون يخيم على الشوارع التي تقفر تماماً باستثناء متأخر يسرع للوصول الى بيته لينضم الى الافطار. وتتذكر السيدة الأنصاري الأكلات المفضلة التي تتميز بها مائدة رمضان، من "الفتّة" بأنواعها الى "الناعم"، وهو نوع من شرائح البطاطا المرشوشة بالدبس، الى "المعروك" وهو خبز حلو خاص برمضان، وكذلك "النهش" نوع من الحلويات مصنوع من وريقات ناعمة محشوة بالقشطة، وحتى شراب العرقسوس. المركز الاسلامي في لندن ويعتبر المركز الاسلامي في العاصمة البريطانية والذي يشرف على ادارته الدكتور حمد الماجد من أكبر المراكز الاسلامية في غرب اوروبا. وللمركز أجواؤه الرمضانية المميزة، فمن النشاطات الدينية والثقافية والاجتماعية التي تقام على مدار السنة يحظى شهر الصوم بطابع خاص. يقول الطيب علي مساعد مدير المركز: "ان كل أقسام الادارة الدعوية والعاملين فيها يعدون المسجد اعداداً مناسباً لاستقبال الاعداد الغفيرة من المصلين الذين يأتون من أماكن متفرقة ومسافات بعيدة، ويُوفر لهم الجو الروحي والأمني والصحي، ويُيسر لهم أداء الصلوات الخمس والتراويح، حيث يعمر المسجد ليلاً بعدد من المصلين يفوق الحد حرصاً على تحصيل حقيقة الصوم وكماله، لا سيما في العشر الأواخر من رمضان. ويوفر المركز للصائمين الذين يفطرون في المركز اللبن والتمر، وبعد الانتهاء من صلاة المغرب يتوجه الناس الى قاعات الافطار فيتناولون وجبة كاملة توزع عليهم مجاناً، كما توزع هذه الوجبة نفسها على بعض المسلمين في السجون البريطانية. ويدعو المركز الاسلامي سنوياً عدداً من القراء من وزارة الأوقاف المصرية لتلاوة القرآن الكريم بعد صلاة التراويح وقبل الصلوات الأخرى وبعدها، اضافة الى تنظيمه محاضرات دينية وثقافية تلقى يومياً عقب صلاة العصر ويشارك فيها الدعاة والعلماء ورجال العمل الاسلامي في بريطانيا. ومن المحطات التي يتوقف عندها المركز المناسبات الكريمة الخاصة بهذا الشهر مثل غزوة بدر وفتح مكة وليلة القدر. ويقيم مسابقة لحفظ القرآن الكريم يمنح بمقتضاها الفائزون جوائز مالية وبعض الكتب الدينية، كما توزع زكاة الفطر على مستحقيها عوناً للفقراء. ويختتم المركز الاسلامي نشاطات شهر رمضان باقامة صلاة العيد المبارك خمس مرات أول أيام العيد حتى تسنح الفرصة للاعداد الغفيرة التي ترتاد المركز لاداء هذه الصلاة من داخل لندن وخارجها في أوقات تناسبهم، ويقدر عدد الذين يصلون العيد حوالى عشرين ألفاً في فصل الشتاء ويتضاعف العدد صيفاً. ويعزو المسؤولون عن المركز هذا الاقبال الى الخدمات المميزة التي يقدمها المسجد من أكل وشرب وصلاة للتراويح واستماع للدروس الدينية والتلاوة القرآنية التي تعقب كل صلاة. وما ينطبق على المركز الاسلامي في ريجنت بارك ينطبق بشكل او بآخر، وإن بقدرٍ أقل، على عدد من المساجد والمراكز الاسلامية المنتشرة في لندن وغيرها من المدن البريطانية حيث للجالية الاسلامية دور مميز. ويقول الدكتور زكي بدوري ان ما يميز شهر الصوم في بريطانيا زوال الحساسيات بين اتباع المذاهب الاسلامية المختلفة، حيث يشترك الكثيرون في الافطارات المختلفة التي تقام وتطغى على طابعه المحبة والرغبة في عمل الخير وجمع التبرعات لمحتاجيها. ويقول الدكتور زكي بدوي ان الجهود لانشاء جسم اسلامي موحد يمثل المسلمين في بريطانيا لم تثمر حتى الآن، هناك محاولات جيدة. المهاجرون الأوائل من المسلمين لا يزال ارتباطهم بأوطانهم قوياً وكذلك بقومياتهم، وبعضهم لا يزال على صلة بقبائلهم. ومحاولة توحيد جهود المسلمين وايجاد مؤسسة تمثلهم ستبقى تواجه مشكلة. "ولا اعتقد ان حلاً لذلك سيتم قبل حلول العقد القادم بعدما ينجح الجيل المقبل في الوصول الى مراكز قيادية في بريطانيا، لاعتبارات أساسية أهمها ان الجيل القديم لا يتكلم حتى الانكليزية ولا يلم بالقوانين المعمول بها في البلاد. فمثلاً لو سألت باكستانياً من الجيل القديم سؤالاً ما لتعاطى معك في الاجابة وكأنه لا يزال يعيش في بلده الأصلي، وكذلك الانسان العربي. معظم الشخصيات الاسلامية التي تحاول انشاء هذه الهيكلية تتبع تنظيمات مختلفة، فالباكستاني يتبع الجماعة الاسلامية الباكستانية، والعربي ينتمي الى اتجاهات مختلفة، ومثل هذه الخلفية تجعل من الصعب التوصل الى قاسم مشترك يراعي وجود هذه الجالية المسلمة وتأثيرها في بريطانيا". ويصف الدكتور بدوي مدير الكلية الاسلامية في لندن الحلقات التي تقام في المساجد البريطانية بأنها تراوح بين القيام بالواجبات الدينية من صلاة وعبادة الى حلقات للافطار وتأدية التراويح، خصوصاً في عطلة نهاية الأسبوع. وأضاف: "ان اعتراف الحكومة البريطانية هذا الشهر المبارك بضرورة تمويل بعض المدارس الاسلامية للمرة الأولى في تاريخ بريطانيا كان من الأنباء السارة. كان هذا الأمر منتظراً خصوصاً بعد ان قمنا بنشاط مكثف مع الدوائر الحكومية المعنية، واعتبرناها من فضل الله علينا ان تحدث في شهر الصوم. ويقدر عدد المسلمين في بريطانيا بحوالى مليون ونصف المليون مسلم. اما عدد المساجد في بريطانيا فيقترب من الألف، منها 55 في لندن وحدها. وتتركز تجمعات المسلمين في لندن الكبرى وبرادفورد وبيرمنغهام ومانشستر وديوزبري وبلاكبرن. ويصل عدد المدارس الاسلامية الى 52 مدرسة اعترفت الحكومة باثنتين منها. الأولى هي المدرسة الاسلامية في لندن ومدرسة الفرقان في بيرمنغهام.