محمّد صبحي نجم من نجوم المسرح المصري، بدأ رحلته الفنيّة بتقديم شكسبير، وتحوّل تدريجاً إلى المسرح الشعبي القائم على الرواج. مسرحيّته الأخيرة "ماما أمريكا" أثارت وما تزال ردود فعل متفاوتة، تراوحت بين الانتقاد والترحيب. والاقبال الجماهيري الواسع الذي حقّقته ليس مردّه فقط إلى شعبية صبحي، بل إلى الجرأة السياسية للمسرحية التي تريد نفسها صرخة في وجه النظام العالمي الجديد. والممثل الذي نال الاعجاب في "وجهة نظر" و"بالعربي الفصيح"، يعلن هنا سعيه إلى "مسرح ذات مذاق مصري وملامح عربية وتأثير عالمي"، كما يؤكّد على مبدأ احترام المشاهد. ويأسف لوضع السينما المصرية التي "كانت ثاني صناعة في مصر بعد القطن، فخسرنا الصناعة وبقيت التجارة". من قلب القاهرة، وفي حي السيدة زينب الشعبي حيث تقع المآذن العالية والحارات الضيقة وينتشر الباعة الجوالة وصناع الحواديت والخبازون والحدادون، خرج محمد صبحي الى الدنيا، وامتزج بمفردات ذلك الحي التي رسّبت في داخله البدايات الفنية الاولى، وأوجدت بين وجدانه مشاعر الخوف على الفقراء وحمل همومهم وطموحاتهم. نشأ في أسرة ذات صلة بالفن، فهو ابن المدير الإداري لفرقة يوسف وهبي. وكان والده يصطحبه بين كواليس المسرح يشاهد ويمتع ناظريه، فأحب المسرح وعشق خشبته، ورأى يوسف وهبي يعامل ممثليه بصرامة وقسوة، فعرف معنى الالتزام وتغلغل في أعماقه. لم يكن صبحي يتصوّر أنّه سيصبح ممثلاً، إذ كان يتمنى أن يكون راقص باليه أو قائد أوركسترا. وفي المدرسة أحب آلة الكمان، عزف عليها واتقنها. كما التهم في مكتبة المدرسة بشغف مسرحيات شكسبير وعايش شخصياتها. وفي المرحلة الثانوية زاد حبه لفن التمثيل والتحق بمعهد الفنون المسرحية، واهتم بلعبة "الشيش" طوال أعوام الدراسة الأربعة، كمادة أساسية في فن التمثيل، تكسب الجسم مرونة فائقة. بعد التخرج عمل محمد صبحي في هيئة التدريس 14 عاماً إلى ان أنشأ فرقة مسرحية تقدم الأعمال ذات الحس والمذاق المصري والعربي والسمات العالمية. هكذا دخل الفنّان الشاب بسرعة دائرة الضوء، فبرز في نصوص كلاسيكية مثل "هاملت"، وهي من التجارب التي اعتبرت في حينها محطّة بارزة في مسيرة المسرح المصري الطليعي. بعد ذلك انحرف صبحي قليلاً إلى نوع أكثر شعبية وانتشاراً من المسرح، غالباً ما صنّف في خانة "المسرح التجاري" على رغم الهموم الجمالية التي بقيت تلازم هذا الفنّان، وعلى الرغم من الخطاب النقدي الذي لم يغب يوماً عن مشاغله الابداعية. عمل محمد صبحي لفترة مع الكاتب لينين الرملي، وكانت ذروة تعاونهما في مسرحية "وجهة نظر" التي عرفت نجاحاً لافتاً. ومنذ أشهر تحقّق آخر مسرحياته "ماما أميركا" الاقبال نفسه، بسبب حضور صبحي وشعبيّته أوّلاً، وبسبب مضمونها الذي يسخر مما يعرف ب "النظام العالمي الجديد"، ويشير باصبع الاتهام إلى استراتيجية السيطرة على العرب. وشاع في الشارع المصري أن الرئيس الأميركي كلينتون طلب تقريراً عن المسرحيّة، بعدما شاهدها موظفو السفارة الاميركية، وعن سر تفجير تمثال الحرية كل ليلة على خشبة المسرح. إلتقت "الوسط" محمد صبحي وكان هذا الحوار: ينشأ الفنان على الحرية في الابداع، وعندما تتدخل السياسة لقتل الابداع فأين المخرج؟ - لكل مجتمع مناخه السياسي ويتألف من اقتصاد وسلوكيات وابداء الرأي. والنظم السياسية هي التي تضع حدود الحرية، هناك مجتمعات لا تقبل الفن على الاطلاق كوسيلة تعبير. قد يحدها القانون، وقد تحدها العادات والتقاليد. وتحجيم حرية الفن هو الدلالة الاولى على سمة النظام. لم تحذف كلمة! هل حُذف مشهد تمثال الحرية الذي يُفجّر في نهاية العرض؟ - لم تحذف كلمة أو فعل. أنا متمسّك بمناخ الحرية الذي نحتاجه في مصر أكثر من أي وقت مضى. الأميركيون يفجرون تمثال الحرية في أعمالهم الفنية، وفي السينما. فالفنّ غير الواقع، ولا أقصد الاساءة إلى كرامة شعب. كما أنّني أرفض الانصياع إلى توجيهات خارجية. لو طرحنا كل قضايا ومشاكل المجتمع المصري والعربي والعالمي على المسرح كما يطرحها محمد صبحي من دون اسفاف أو خلاعة، إلى أي مدى يمكن ان تحقق نجاحاً؟ - المسرح مسرح، له مواصفات علمية وفنية، فإمّا أن يخضع لها العمل ويستحق التسمية، ويمكن تصنيفه ضمن هذا الشكل الابداعي، أو لا يكون. أما اللامسرح فهو جلسات المقاهي والملاهي الليلية. وعندما تثار مشكلة محلية أو اقليمية أو اعلامية فالمسرح يطرحها بشكل ناضج. ولم أرَ في رحلتي الفنية تعارضاً بين الضحك وبين التفكير أو احترام عقلية المشاهد. أطلقت أكثر من صرخة غضب في وجه النظام العربي والعالمي منذ "بالعربي الفصيح" ووصولاً إلى "ماما أميركا". هل تعتبر أنّك تقوم بارساء وتوطيد دعائم مسرح سياسي جديد في مصر؟ - أنا ضد هذه التصنيفات، ولا أعرف ما هو المسرح السياسي والمسرح غير السياسي. المسرح لا يُسيّس. لا يمكن أن يكون المسرح بوقاً، لكن السياسة تدخل في كل شيء. فلو قدمت مسرحية عن صراع الزوج مع حماته سيكون فيها جانب سياسي. وأنا أصبو الى مسرح ذات مذاق مصري وملامح عربية وتأثير عالمي. هل بوسع الفنّان أن يخدم "القوميّة العربية" عن طريق الرمز أو المباشرة في الأعمال المسرحية؟ - أقصر الطرق إلى الوحدة العربية العمل الثقافي، والتواصل على مستوى المشروع الابداعي والحضاري. والمسرح أوّل المجالات الابداعية التي تتسع لمثل هذه الطموحات. نخدم المشروع القومي، نحن الفنانين، حين نعمل على بناء مسرح عربي مزدهر. فنّ أم تجارة؟ متى يقدم محمد صبحي عملاً سينمائياً يرقى الى مستوى نجاحاته المسرحية؟ - عندما تتغير استراتيجية السينما في مصر. والسينما كانت ثاني صناعة في مصر بعد القطن. وهي صناعة وفن وتجارة، وقد خسرت الصناعة والفن ولم تبق منها إلا التجارة، حتى هذه الصفة بدأت تتراجع لأن صناعة الافلام هي أكثر خطورة من تجارة الهيرويين، وأنا بعت السينما منذ تسعة أعوام وربحت نفسي. ما هو أخصب جيل للكوميديا منذ وعيت عليها؟ ومن أهم مبدعيها؟ - كل عصر فيه نوابغ، مصر معطاءة في هذا المجال فالسخرية من تقاليدها الشعبية على مر التاريخ. الشعب المصري قد يجوع ولا يكف عن السخرية والتهكم. ولا يمكن أن ننسى اساس الحركة المسرحية، الريحاني، الكسار، عبد الفتاح القصري، ماري منيب، استيفان روستي، بشارة واكيم، عبد السلام النابلسي، فؤاد المهندس، مدبولي، أمين الهنيدي، محمد عوض وشويكار... القائمة طويلة، والأسماء كثيرة، وفي كل جيل هناك من هو فاسد ساهم في افساد الحركة المسرحيّة، ومن هو عظيم ترك بصماته في تراثنا الفنّي العريق. البداية الفنية بدايتك الفنية كانت مع "هاملت"... - البداية كانت عام 1970، عندما قدمت عروضاً مسرحية في الهواء الطلق، وكانت الأولى في منطقة الشرق الاوسط. قدمت "هاملت" عام 1971 و"أوديب" عام 1972. وفي العام 1975 قدّمت "هاملت" و"أوديب" و"روميو وجولييت" وأعمال أخرى لشكسبير في شكل "ريبورتوار" على مسرح سيد درويش. كان ذلك تحت رعاية الوزير الفنان المرحوم يوسف السباعي الذي آمن بضرورة وجود رؤية مصريّة خاصة للمسرحيات العالمية. وفي العام نفسه قدمت مسرحية "انتهى الدرس يا غبي". وأنت صغير كنت تشاهد أعمال يوسف وهبي ماذا تعلمت منه؟ - تعلمت الدقة والالتزام واحترام الفنان للجمهور. فهمت أهميّة احترام المواعيد، والتأسيس لتقاليد الفرجة المشاهدة، كما اكتشفت الخيوط الخفيّة التي تربط الفنان بالمشاهد. متى بدأ الميلاد الحقيقي للفنان محمد صبحي؟ - بدايتي لم تأتِ بعد. أنا أحاول أن أصنع نفسي، أن أحفر مكاناً في بوتقة انصهر فيها. وأعدّ نفسي كي أقدم الخطوة الاولى في طريق فني يؤثر في أجيال ومجتمعات. هل يواجه المسرح خطراً في عصر الصورة؟ - السينما تحكمها صناعة وتكنولوجيا وعقول. أما المسرح فتحكمه ضمائر. المسرح صناعة للممثلين، ولذلك لن يموت بظهور السينما أو التلفزيون او الفيديو. متعة المُشاهد في المسرح هي الارتياد: دخول قاعة العرض، ومعايشة هذا اللقاء الحي الذي لن يعوضه أي فن آخر. قدمت وجوهاً جديدة خلال مشوارك الفني، مثل القلعاوي وشريهان وسحر رامي وصلاح عبد الله... هل هناك المزيد؟ - أحدث وجه قدمته هو ياريم أحمد في "ماما أميركا"، وهي التي برزت في مسلسل "ونيس" في رمضان الماضي. وأتوقّع لها مستقبلاً باهراً كممثّلة. وهناك أيضاً جميلة عزيز ونشوى الراعي وحسام فياض وهدى هاني التي مثلت معي وهي طفلة في مسرحية "الهمجي". خلال السبعينات قدّمت "هاملت" في القطاع الخاص. هل كانت مقامرة أم مغامرة؟ - كانت مغامرة محسوبة، وأجري معي أكثر من حديث في التلفزيون والصحافة وحاول البعض استفزازي. سُئلت: "لماذا تقدم على هذا العمل وأنت تعلم أنه خاسر؟"، فأجبت أنه قدري أن اقدمها كما فعلت، وأنا معيد في المعهد وبأقل التكاليف، ثم قدمتها وأنا نجم أملك المال اصرف منه على صناعتي، وأترك تراثا يحمل وجهة نظرنا في تقديم "هاملت". خسرت كل ما جمعته في العام 1975 في "انتهى الدرس يا غبي"، وفي "علي بيه مظهر"، وفي عام 1978 جمعت ثانية كل ما خسرته : ثلاثين ألف جنيه. أحسست وقتها أنني أملك الدنيا. حبك للفن جعلك تنفصل في يوم من الأيام عن والديك وتبيع سيارتك وتستدين. فهل الفن نوع من الجنون؟ - الفن عكس الأنانية. فهو الدخول في منطقة الانتحار، وتجاوز نقطة اللارجوع. الفنانون يتجرعونه لكي يقنعوا انفسهم أنهم سعداء، والحقيقة أن الفنان إنسان يدفع دمه وأعصابه وعقله وينطفئ انطفاءً بطيئاً... علماً أن خلوده سيكون في ما قدم. لكنّ فنّه قد يكون أيضاً اللعنة التي ترافقه في حياته، وتستمرّ بعد مماته!