فتحت المقابلة الطويلة التي تنشرها "الوسط" مع سعيد عقل، مجالاً لجدال مثير، وأرضية خصبة لابداء الآراء والآراء المعاكسة. لكن النقاش أصبح، على ما يبدو، ترفاً فكرياً يعرّض صاحبه للانتقادات وحملات الاستنكار. فويلك إذا كتبت أن سعيد عقل شاعر كبير، وويلك إن سلطت الضوء على مجموعة من المسائل الاساسية التي تفرقك عنه جذرياً. إذا أوفيتَه بعض حقّه من الحفاوة والتقدير، فأنت خائن في أعين البعض تشاركه كل مواقفه وتتحمل كل أوزار تاريخه، أو أنك - في أحسن الحالات - متسامح ومتساهل مع "العدوّ"! وإذا استغليت مناسبة التكريم، لاعلان خلافك الجوهري معه، في بعض خياراته الفكرية والجمالية، أو تجرأت على إثارة نقاش أساسي يطال برأيك راهننا الثقافي أكثر من أي وقت مضى، فانت في نظر البعض الآخر متجنّ تختار ضحية سهلة، تتعرض بشكل غير مسؤول لشاعر كبير، تبحث عن المتاعب في مزبلة التاريخ، وتفتعل نقاشاً مرّ عليه الزمن. مهما قلتَ فأنت قتيل! هل أصبح سعيد عقل الى هذا الحد من المحظورات؟ ممنوع تكريمه، ومحظور مناقشته، وربما قراءته؟... وعلينا أن نطمره، ونطمر أشعاره، ونطمر تنظيراته، في هوّة النسيان السحيقة، ثم ننفض أيدينا من هذا العبء، وننتقل الى "موضوع سياحي" ينال رضى الجميع؟ تنطوي ردود الفعل المختلفة على مقابلة سعيد عقل وردود الفعل عليها بلا شك، على منجم من الاشارات المعبرة، تنقل بأمانة صورة مصغّرة عن الحياة الثقافية العربية: حالة من التقوقع على الذات، نزعة الى الهروب من الماضي والخوف من مواجهة المستقبل، ورفض الآخر بشراسة، في حين أننا نجهله أو نعرفه بطريقة مبتورة، مشوهة، بحيث تقتصر صورته لدينا على مجموعة كليشيهات أو أفكار مسبقة أغلب الاحيان. في مقالتها المنشورة ضمن هذه الاعمدة بعنوان "لماذا تمجيد سعيد عقل؟" "الوسط" 22 آذار/ مارس 1993، تشير رنا قباني بحق الى "اقتران اسم سعيد عقل بالمواقف الايديولوجية التي اتخذها خلال الحرب". فمن المستحيل فصل الشعر عن وعي صاحبه، والقصيدة عن أبعادها الايديولوجية واختياراتها الفكرية وخطابها السياسي حتى عندما لا تكون "قصيدة سياسية"، وسعيد عقل قال طوال حياته ب "الفن للفن"!. لكن المسألة تختلف حين يأتي خطاب الاديب أو المبدع من خارج نصّه، أو عمله الابداعي. فأنا كمتلق، علاقتي بالنص قبل أي اعتبار آخر، فهو الذي يخاطب حساسيتي، ويصيب أعماقي ويخاطب وعيي. سلوك المبدع يأتي في مرتبة ثانوية، يمكن تفاديها مع مرور الوقت. لا بل ان النص الابداعي قد ينطوي أحياناً، على ما يخالف سلوك صاحبه ويتناقض معه بالنسبة الى الشاعر موضوع النقاش، الأمثلة لا تحصى. أكثرها بروزاً: عروبة سعيد عقل في النص، مقابل "إنعزاليته" أو تعاليه "اللبناني" لفظياً. فما تنساه الكاتبة، هو أن كلام سعيد عقل المتشنّج أتى من خارج قصيدته، ضمن اطار محدد هو الحرب الأهلية اللبنانية، وانه على هذا المستوى - كالمجدليّة! - يتساوى في الزلات والاخطاء، مع كل المثقفين والمبدعين الذين انخرطوا هنا أو هناك في لعبة الحرب. فمن كان بلا خطيئة، فليرجمه بحجر. وربما كانت يدا سعيد عقل المثالي الهيغلي، رغم شطحاته "اللفظية" المتطرفة، هما الأقل تلوثاً بين كل أقرانه في معمعة هذه الحرب، التي يسعى الجميع اليوم الى تجاوزها. وتكريم الشاعر بهذا المعنى، ليس محاولة لتبرئته أو السكوت عما يفرّقنا عنه، بل محاولة للمراهنة على الوجه المشرق الذي سيبقى منه، والذي يربطنا اليه في نهاية المطاف. هل هناك أمثولة يمكن تلقينها للشاعر، أكثر من الانفتاح عليه، كمن يقول له باسم آلاف القراء العرب: "أنت شاعرنا رغماً عنك، لا مكان لك ولا معنى خارجنا"؟ وربما كان خطأ رنا قباني، بهذا المعنى، استمرارها في التعامل مع الموضوع بمنطق الحرب الاهلية. من هنا ميلها الضمني الى "عزل" سعيد عقل، ورفض الاعتراف بوجوده، والاصرار على التعامل معه كخصم، رابض في "المتراس" المواجه. من هنا أيضاً ميلها الى كيل مجموعة من التهم للشاعر في مقالتها، وبعضها أقرب الى المغالطة. فالمقارنة بين سعيد عقل نسبة الى العرب وشاعر نازي بالنسبة الى اليهود فيها من التجنّي والظلم ما يستدعي الرد باسم الامانة والموضوعية. الشاعر النازي، شريك في جريمة هائلة ضد البشرية، وسعيد عقل، شاعر في دوامة حرب قسمت أهلها الى فرقاء وخصوم. تعصبه للبنان، صادر عن فكر غيبي ذات ملامح كاريكاتورية تستدعي الابتسام لا الحقد. وموقفه المتعصب هذا، يوازيه عند مبدعين آخرين، من "خنادق" أخرى، زلات مشابهة لا تقل استدعاء للانتقاد والسخرية. أما اعتبار سعيد عقل مسؤولاً عن "أشنع الجرائم" كذا التي ارتكبت خلال الحرب، ففيه الكثير من المبالغة والتحامل. فال "حزب" الذي أسسه، وعرف باسم "الطليعة التبادعية"، كانت طروحاته أبعد ما يمكن عن التنظير للعنف، مجموعة شطحات فلسفية وأخلاقية ووطنية لا تؤذي أحداً. كما أن تهمة "الحقد والتعصب الطائفي" التي تلصقها به، ليس لها أي أساس من الصحة. فكل مطّلع على أدبيات الشاعر، يعرف أنه دعا الى وحدة أبناء شعبه على اختلاف مذاهبهم، وعلى تعانق الديانات السماوية وانصهارها في بوتقة وطنية واحدة مراجعة قصيدة "غنيتُ مكّة".... قد لا نغفر لسعيد عقل موقفه من الشعب الفلسطيني، لكن السلوك الدموي الفعلي تجاه هذا الشعب كان قاسماً مشتركاً بين أكثر من فئة لبنانية. كما أن سعيد عقل دعا دائماً الى مواجهة اسرائيل، إنطلاقاً من كونها "خصماً حضارياً للبنان". لا أتعرف، شخصياً، على وطني في قصائد سعيد عقل "لي نجمة عُلّقت بالصخر أسكنها"، ولا على امرأتي في غزله "أبقى الاثر ما لم يزل موصدا"، ولا على قصيدتي في شعره الآتي من زمن آخر... لكنني أقف احتراماً لهذا الشعر، الذي نتحدّر منه جميعاً، بشكل أو بآخر، كما نتحدّر من شعراء كبار قبله. فالشعر العربي بعد سعيد عقل مختلف جذرياً عما كان عليه قبله، وهذا المعيار وحده يحدد الشعراء الكبار الذين يسكنون تاريخ الادب العالمي.