يجادل الفيزيائيون حول إمكان السفر عبر الزمن والانتقال الآني من مكان لآخر، والرجوع إلى الماضي أو الذهاب إلى المستقبل، إلا أن أهل مدينة جدة، والمقيمين من الجاليات الغربية خصوصاً، يمكنهم ذلك بطريقة أكثر سهولة ويسر، فما على أبناء هذه المدينة الضاربة في جذور التاريخ وزوارها، إلا ارتياد مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة، للخروج من عالم الحضارة الحديثة، إلى عمق التاريخ ومعايشة البيئة الحجازية القديمة. تعد مدينة الطيبات من التحف الفنية الجميلة التي تحتضنها مدينة جدة، بعد أن بنيت على الطراز القديم والمعمار الذي تشكل في منطقة الحجاز برواشينه ومشربياته وأزقته العتيقة في زمن مضى، ولكنه بقي متأصلاً في قلوب محبيه، ومنهم الباحث في تاريخ الأمم والحضارات عبدالرؤوف حسن خليل، مؤسس ومنشئ المدينة، والذي حرص على أن تضم العناصر التراثية كافة للبيئة الحجازية، لتكون تجسيداً لهذه الحياة، وبما يتلاءم مع مقتضيات العصر. والمتأمل لهذه المباني، يجدها تعمل على إحياء وظيفة التراث والبيئة الحجازية القديمة في حياتنا المعاصرة، وتقدم الأنشطة الدينية، والمهنية، والتاريخية، والعلوم الحديثة والاجتماعية والرياضية، وكل ما يهم الرجل والمرأة والطفل. وأوضح مدير المدينة خالد عبدالرؤوف خليل ل"الحياة"، أن فكرة إنشائها جاءت نتيجة لحب والده للتراث، خصوصاً وأنه عاش في واقع الحياة الحجازية القديمة، واستمر في جمع ما يقع في يده من تراثها قرابة 50 عاماً. وقال خليل:"بدأنا مشروع هذه المدينة في العام 1987م، وتم افتتاحها وتشغيلها في العام 1996م، وعلى مساحة تقدر بعشرة آلاف متر مربع في قلب مدينة جدة، ويبلغ عدد مبانيها 11مبنى، ويعمل على تشغيلها وصيانتها وإدارة متاحفها كادر بشري مدرب يؤدي عمله بأسلوب حجازي رفيع". وأضاف:"تضم المدينة مسجداً، ومبرّة الطيبات الخيرية، ومكتبات، ومركزاً للمعلومات، ومركزاً لتدريب الموهوبين، وأضيف إليها أخيراً المركز العربي للثقافة والإعلام، والذي يرأسه الشاعر عبدالله الخشرمي، خلافاً لمتحف مدينة الطيبات للحضارات العالمية"بيت عبدالرؤوف خليل التراثي"، وهو مؤسس على نمط البيوت في حواري جدة القديمة، وخان آل خليل". وأشار مدير المدينة إلى أن المدينة تضم أيضاً شبكة إذاعة وتلفزيون داخلية في المدينة، وشبكة اتصالات، وفريق أمن المدينة، ومتحف عبدالرؤوف حسن خليل"الخاص"، ومتحف الفنون المنزلية، مشيراً إلى أن كل ذلك طبق على وجه الواقع، وجهزت المدينة بأفضل التجهيزات والتقنيات. ولفت خليل إلى أن مدينة الطيبات تحتوي على أكثر من 200 ألف كتاب ومرجع في مختلف العلوم والمعرفة، وما يزيد على ألفي متر مربع من المعلومات ومصادرها، علقت على الجدران مع الصور الإيضاحية لها، وما يزيد على 500 برنامج للحاسب الآلي في مختلف العلوم والمعارف، خلافاً للعديد من الأجنحة المتحفية في مختلف الحضارات الإنسانية، من بينها جناح عن تاريخ كفاح مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وجناح للثقافة الوطنية السعودية، وآخر للمعادن والأحجار والمجوهرات. كما تضم المدينة أجنحة أخرى، مثل: جناح مدارس الفنون التشكيلية العالمية، وجناح وحدة الفنون العالمية، وجناح التراث والفنون الإسلامية، وجناح لتراث وفنون المملكة العربية السعودية، وجناح للعلوم الكونية"المجموعة الشمسية"، وخصوصاً كوكب الأرض، وما عليه من نبات وحيوان وإنسان، وجناح لتاريخ الحضارات القديمة في العالم. وقال خليل:"يوجد قسم للمعروضات في خان آل خليل، يحتوي على أشرطة وكتب في علوم القرآن الكريم، وسيوف وبنادق تراثية، وفخاريات، وسُبح وخواتم، وسجاد يدوي، وفضيات، ومجوهرات وملابس بدوية، وعملات وطوابع وميداليات، إضافة إلى مخطوطات وصور قديمة وتراثيات أخرى". وأضاف:"إن واجهات المدينة الخارجية تشكّلت بالأعمال الجبسية والخشبية والحجرية بمختلف الأشكال والأنماط، وإذا أراد الزائر التجول داخل هذه المدينة، فسيجد أنه يعيش الحي الحجازي القديم بمناخه وحواريه ومبانيه العتيقة كافة". ويؤكد خليل عدم تلقي المدينة أي دعم من أي جهة اختصاصية في بناء المدينة، مشيراًَ إلى أن كل ما تحقق جاء بجهود ذاتية تكفل والده بها، خصوصاً وأن حكمته في الحياة هي:"السفينة التي يقودها ربانان لا تبحر". أما عن كلفة المشروع الإجمالية، فقال مدير المدينة:"لو حسبنا الكلفة من البداية لتوقفنا عن العمل، ومواصلة المشروع". وعن انطباع الزوار يضيف:"نجد الدهشة، وخصوصاً على وجوه غير العرب، لأنهم يعشقون التراث، ويحرصون على زيارة المتاحف، وفي بعض الأحيان يعودون في اليوم التالي لزيارة المتحف، وكانت آخر زيارة للمتحف من وفد أجنبي، شملت وفداً تايوانياً، وسبقتها زيارة لوزير الدفاع الفرنسي الحالي هرفي موران قبل شهرين تقريباً، وتأتينا وفود من القنصليات الأجنبية المقيمة في جدة باستمرار، كما يفد إلينا زوار من مختلف المناطق السعودية، إضافة إلى طلاب المدارس والجامعات". يشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت عودة حقيقة لنمط البناء القديم في منطقة الحجاز، ودمجه مع فكرة البناء العصري، وخروجه بطرازٍ عثمانيٍ ترك أثره سابقاً في منطقة مكةالمكرمةوالمدينةالمنورة، في محاولة من هواة الفن المعماري لتجديده وتنفيذه على وجه الواقع، وحرصاً على أصالة ما تحمله هاتان المنطقتان المقدستان، وما تحملانها من مكانة كبيرة في قلوب ملايين المسلمين.