بعد ما يقرب من نصف ساعة من توجيهي الأسئلة حول الأوضاع المتدهورة في الكونغو الديموقراطية، توقف البريغادير جنرال ديودونه كايمبي المدير العام لوزارة الدفاع والقائم بعمل وزير الدفاع حتى عام 2001 عن الإجابة قائلاً: هذه الأسئلة تتطلب إجابات من قائدي الطيران والجيش، وهما بالصدفة موجودان في مقر الوزارة، فلننتظر حضورهما ليجيبا عن أسئلتك بنفسيهما. وفى غضون دقائق حضر الجنرالان اللذان قدمهما الرجل لي بالاسم الأول فقط: الجنرال ميشال قائد سلاح الجو، والجنرال جوزيف قائد الجيش. كان اللقاء مع أركان القوات المسلحة الكونغولية - والذي تم في مقر وزارة الدفاع في قلب العاصمة كينشاسا - هو مشهد الافتتاح لتغطية صحافية قمت بها على مدار سنتين اعتباراً من نهاية عام 1999 لتلك الحرب الضروس التي طحنت هذه الدولة الأفريقية القاعدية في منطقة البحيرات العظمى على مدار أربع سنوات. وبعد أن وقفت على مدى خطورة الموقف، بدأت أطرح أسئلة حول مسؤولية تردي الأوضاع السياسية، واستشراء فساد النخبة الحاكمة، وعن تدهور الموقف العسكري، مستعيناً في ذلك بوقائع محددة بالأسماء. وكان أن بدت علامات التوتر الشديد على وجه القائم بعمل وزير الدفاع، وهو ينفي هذه الوقائع في شكل قاطع. ثم جاء دور قائد الجيش الذي كان من نصيبه أسئلة أجاب على واحد منها باقتضاب، وامتنع عن الإجابة عن البقية، وذلك قبل أن أمازحه قائلاً:"... ألا ترى أنك صغير جداً في السن لكي تكون جنرالاً، ناهيك عن كونك قائداً للجيش ...؟!". فرد الشاب بالإيجاب، وذلك قبل أن يبادر القائم بعمل وزير الدفاع بحماسة شديدة، مؤكداً على عبقرية هذا الجنرال الشاب. قبيل انتهاء الحوار، طلبت معرفة اسم العائلة للجنرالين لأستكمل القصة، وبعد تردد قصير أجابني القائم بعمل وزير الدفاع بأن اسم عائلة قائد الجيش هو كابيلا، وهو ما دفعني لأسأل القائد الشاب عما إذا كان ينتمي لعائلة الرئيس فابتسم من دون تعليق! في ذلك الوقت لم يكن شائعاً أن قائد الجيش هو نجل الرئيس لوران كابيلا من إحدى زوجاته، وهو ما فسر لي في ما بعد عبقريته التي تجلت في هذه السن الصغيرة والتي أتاحت له تولي المنصب، كما فسر التوتر الشديد الذي تبدى على القائم بعمل وزير الدفاع عندما سألته عن وقائع الفساد المنسوبة للرئيس، ناهيك عن تفسيره لأسباب قيام جهاز الاستخبارات الكونغولية المعروف باسم"أنير"باعتقالي بعد أيام قليلة من هذا اللقاء! هذه المقدمة - الطويلة نسبياً - تعكس ملمحاً رئيساً للأوضاع التي وصلت إلى حد الانهيار في ذلك الوقت في الكونغو الديموقراطية، والتي لم تشهد تحسناً يذكر منذ توقيع اتفاقية استهدفت إحلال السلام في هذا البلد الأفريقي الشديد الأهمية. ففى 30 تموز يوليو عام 2002 وقّع كل من جوزيف كابيلا - القائد السابق للجيش ونجل الرئيس المغتال لوران كابيلا والرئيس الحالى للكونغو - اتفاق سلام مع نظيره الرواندي بول كاجامي في بريتوريا في جنوب أفريقيا التي رعت واستضافت المفاوضات التي سبقت التوقيع. وعقد في قصر الضيافة الرئاسي في جنوب أفريقيا مؤتمر صحافي أعلن خلاله رئيسها في ذلك الوقت تابو مبيكي انتهاء الحرب رسمياً بين طرفيها الرئيسين الكونغو ورواندا، ووصف الحدث بأنه"يوم مشرق لأفريقيا"، وهو ما أكده الرئيس الكونغولي، في حين وصف الرئيس الرواندي الاتفاق بأنه خطوة كبيرة نحو حل الصراع بين البلدين. طرح كاتب هذه السطور عدداً من الأسئلة على الرئيسين المتحاربين كابيلا وكاجامي، وبالإضافة إلى الرئيس مبيكي، حول عدم واقعية البنود التي تضمنتها"اتفاقية السلام"إلى درجة تجعل تنفيذها أقرب إلى المستحيل، وبالتالي تحولها إلى هدنة مسلحة أكثر من كونها اتفاقية سلام. وتراوحت إجابات الرؤساء الثلاثة بين النفي القاطع من جانب الرئيس الكونغولي، والتوقع الذي يغلب عليه الأمل من جانب الرئيس الجنوب أفريقي، والعبارات الفضفاضة التي يغلب عليها العمومية من الرئيس الرواندي. ومن دون الدخول في التفاصيل، فإن الاتفاق ينص على نزع سلاح ميليشيات عرق الهوتو الذي يمثل غالبية شعب رواندا، والتي تتخذ من مناطق شرق الكونغو منطلقاً لها، بالتزامن مع نزع سلاح ميليشيات عرق التوتسي التي تمثل أقلية في كل من رواندا والكونغو والتي تتخذ من الأراضي الرواندية منطلقاً لها، ناهيك عن انسحاب 20 ألفاً من القوات الرواندية الداعمة لها من شرق الكونغو، والتعهد بضمان سيادة الكونغو على أراضيه. تم التوصل إلى الاتفاقية بعد مفاوضات ماراثونية، استمر آخرها 50 يوماً متصلة عقدت في منتجع صن سيتي الشهير في جنوب أفريقيا، وذلك حتى وصل الأمر بدافعي الضرائب الجنوب أفارقة الى التندر على هذه الجولات بقولهم:"يبدو أن الأطراف المتحاربة باتت تعاني من نقص في المؤن، فجاءت تتزود بها من جنوب أفريقيا مجاناً تحت ستار التفاوض"! وإذا كان مقبولاً أن يتعامى رؤساء الدول المتحاربة عن الحقائق على الأرض في سبيل الوقف الموقت لنزيف الدماء والثروات، فمن الغريب أن كاتب هذه السطور كانت له مواجهة مع يان فان أيك كبير خبراء جنوب أفريقيا في منطقة البحيرات العظمى، والذي كان له السهم الأعظم في صياغة الاتفاقية، بصفته المسؤول الفني في وفد جنوب أفريقيا في المفاوضات. ففي ندوة نظمها مركز الدراسات السياسية والأمنية التابع لجامعة بريتوريا، طرحت على المسؤول عن الجانب الفني في الاتفاقية التساؤلات والملاحظات التالية: 1- مع التسليم بأن قوة حفظ السلام الدولية في الكونغو هي الأكبر على مستوى العالم، يبقى أن التفويض الصادر لها من مجلس الأمن يحدد مهمتها بحفظ السلام في البلاد والدفاع عن المدنيين في المناطق العاملة فيها. 2- تسليح هذه القوة الدولية جاء على مقتضى التفويض، وهو التسليح الذي في كثير من الأحيان لا يمكن هذه القوات من تنفيذ مهماتها الأساسية التي ذكرناها، ناهيك عن أخرى تضيفها"اتفاقيات سلام"تستجد! 3- إذا سلمنا جدلاً بأن هذا التفويض يفهم منه أن حفظ السلام في الكونغو يقتضي نزع سلاح الميليشيات المتحاربة، طبقاً لما ورد في اتفاقية بريتوريا للسلام، فإن تسليح هذه القوة الدولية يتطلب تعديلاً هو الآخر بما يتناسب مع ضخامة المهمة الجديدة وخطورتها، وهو ما لم يحدث على الإطلاق! 4- في حال رفع مستوى تسليح القوة الدولية المنوط بها نزع سلاح الميليشيات المتحاربة، بالإضافة إلى زيادة عددها، فكيف سيتأتى لهذه القوة أن تعمل في شرق الكونغو، حيث المناطق الشاسعة من الغابات الاستوائية الكثيفة، والتي تتميز بمناخ هو أقرب إلى الجحيم للغرباء، وإن كان طبيعياً لهذه الميليشيات؟! 5- اتفاقية مثل اتفاقية بريتوريا كانت كفيلة بإنهاء حرب فجرتها خلافات في الرؤى السياسية لنظامي حكم في دولتين متجاورتين، وهو ما لا ينسحب على الصراع في منطقة البحيرات العظمى. فحرب الكونغو لم تكن حرباً بسبب خلافات سياسية بين نظامي حكم في كينشاسا وكيغالي، وإنما هي تجل من تجليات اختلال الوضع الاقليمي نتيجة سيطرة عرق أقلية التوتسي على الحكم في رواندا، في مجتمع شديد العصبية عرقياً وقبلياً، ومن ثم فإن ذلك دفع بجماعات ضخمة من غالبية الهوتو للجوء الى المناطق الشرقية في الكونغو كمرفأ آمن لشن هجمات على النظام الرواندي سعياً الى إصلاح هذا الخلل. وفى المقابل، ردت رواندا بدعم عناصر أقلية التوتسي الكونغولية لشن حرب شرسة لاستقطاع شرق البلاد وإخضاعها عملياً للسيطرة الرواندية. وبناء على ما تقدم، كيف سيتأتى لاتفاقية سلام مهما كانت الأطراف الإقليمية أو الدولية الضامنة لها أن تنهي الحرب؟ 6- حرب الكونغو جاءت أيضاً انعكاساً لاختلال شديد في توزيع مصادر الموارد الطبيعية في منطقة البحيرات العظمى. فرواندا حتى الآن لا تعترف عملياً بالحدود التي اختلقتها مشارط المستعمر البلجيكي في عشرينات القرن العشرين، والتي تم بمقتضاها استقطاع المناطق الغربية لرواندا الغنية بالموارد الطبيعية، وضمها إلى الكونغو لتصبح تلك المنطقة هي الميدان المنطقي للعمليات القتالية، ناهيك عن كونها السبب في هذه العمليات والهدف منها. عندما طرحت هذه الملاحظات على خبير منطقة البحيرات العظمى الجنوب أفريقي، والمسؤول عن الصياغة الفنية لاتفاقية بريتوريا للسلام، ابتسم قائلاً:"... نحن نراهن على وصول الأطراف المتحاربة إلى مرحلة الإجهاد الشديد بسبب الحرب، وبالتالي محاولة تجنبها...". واختتمت بقولي بأن مثل هذا الرهان يحول الاتفاقية إلى هدنة، إلى حين التقاط الأطراف المتحاربة أنفاسها وتعويض خسائرها، وانتظار الظرف الدولي والإقليمي المناسب لاستئناف العمليات العسكرية، وهو ما رد عليه" الخبير الجنوب أفريقي بقوله:"... هل لديك أفضل مما تم التوصل إليه...؟!". الغريب أن هذا الخبير عاد في منتصف شهر تشرين الثاني نوفمبر الماضي ليكتب في صحف بلاده قائلاً:"... تنبأت منذ البداية بتجدد الحرب في شرق الكونغو على رغم اتفاقات السلام الشامل ..."، وهو ما لم يحدث خلال الجدال بيني وبينه حول صياغته القاصرة للاتفاقية. الشاهد، أن التعامي عن أصل الداء، والاقتصار على التعامل مع أعراضه هما من الأسباب الرئيسة في استمرار الصراعات في أفريقيا جنوب الصحراء - وفى هذا المقام ? الصراع في منطقة البحيرات العظمى، وهو التعامي الذي لا يمكن تفسيره سوى بالرغبة في تحقيق إنجازات سريعة، وإن كان جميع الأطراف يدركون أنها قصيرة الأمد. إلا أن الأخطر من كون هذه الإنجازات - إذا جاز أن نسميها كذلك - تولد مبتسرة لتموت داخل حضانات سياسية إقليمية ودولية، هو أن هذه الإنجازات المزعومة تفاقم أسباب الصراعات. فالذي يغيب عن كثير من المفاوضين - عن غير عمد حيناً، وعن عمد أحياناً - أن اقتصار مثل هذه الاتفاقات على التعامل مع العمليات القتالية بقصد وقفها من دون التعامل مع أسباب الصراع يحول بنود الاتفاقات إلى ألغام مؤجلة الانفجار. * كاتب مصري متخصص في الشؤون الأفريقية. نشر في العدد: 16704 ت.م: 28-12-2008 ص: 26 ط: الرياض