أخيراً عرفت الفرق بين كلمتي"الرن مينبي"الصيني و"اليون"الصيني المتداولتين في كثير من الكتابات الصحافية وتصريحات المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، ولعل القارئ الكريم غير المتيقن يود المعرفة أيضا."الرن مينبي"هي عملة الصين الوطنية، وتعرف بعملة الشعب، اما"اليون"فهي الوحدة من العملة الوطنية. وسعر الصرف هو عبارة عن سعر عملة أجنبية بوحدات من العملة المحلية أو العكس، والتقليد الشائع هو سعر الدولار الأميركي بوحدات العملة الوطنية. وسعر الصرف مهم جداً في المعاملات مع البلدان الأخرى سواء كان ذلك على مستوى الأفراد، أو المؤسسات او الدول ككل، وسواء كانت تلك المعاملات تجارية او إستثمارية أو غيرها. وسعر الصرف له علاقة وثيقة بالقدرة التنافسية، إذ يؤثر حسابياً في سعر الواردات بالعملة المحلية، وسعر الصادرات بالعملة الأجنبية، وعلى معدل التضخم أيضاً. فإذا إرتفع سعر الصرف، أي زاد عدد الوحدات الوطنية لشراء دولار اميركي واحد، تصبح قيمة العملة الوطنية أقل واسعار السلع المستوردة أعلى، والعكس صحيح بالنسبة للسلع المصدرة. وتختار الدولة نظام سعر صرفها في ضوء أوضاعها الاقتصادية الداخلية وعلاقاتها التجارية والمالية الخارجية، من بين نظم أسعار الصرف المعروفة وهي كثيرة في الوقت الراهن، تغطي الترتيبات الثابتة المتمثلة في إتحادات العملة، ومجالس العملة وأسعار الصرف الثابتة، والترتيبات الوسيطة التي تتجسد في الربط القابل للتعديل، والربط المتحرك، والربط بسلة عملات، والنطاقات المستهدفة، والترتيبات العائمة المتمثلة في سعر صرف عائم تحدده قوى السوق، وسعر صرف عائم موجه يسمح له بالتحرك حسب قوى السوق ولكن ضمن هوامش محددة. ونظام سعر صرف"الرن مينبي"هو التثبيت على الدولار الأميركي، وسعر صرف"الرن مينبي"في الوقت الراهن يتراوح بين 8.268 -8.280"يون"للدولار الواحد، ويمكن تحويله إلى عملات أجنبية لدفع فواتير ناجمة عن معاملات جارية خارجية مع العالم الخارجي مثل إستيراد سلع وخدمات، ولكن غير قابل للتحويل لتسوية معاملات رأسمالية، مثل شراء أسهم وسندات. ومن المعروف أن الاقتصاد الصيني نما بمعدلات مرتفعة نسبياً تراوحت بين 8 و10 في المئة سنوياً خلال ربع القرن الماضي في ظل تطوير وتحرير وإعادة هيكلة الاقتصاد الصيني الذي بدءاً عام 1978، ومكّن الصين من الحصول على شهادة السلوك المنسجم مع متطلبات النظام الاقتصادي العالمي بقبولها عضواً في منظمة التجارة العالمية في عام 2001. في عام 1995، عندما أنشئت منظمة التجارة العالمية، تم ألإتفاق على إلغاء نظام حصص صادرات الملابس والأنسجة، الذي حمى اسواق الولاياتالمتحدة الأميركية والأوروبية من صادرات الملابس والأنسجة الأسيوية لنحو 40 عاماً، تدريجاً خلال عشر سنوات. وهكذا كان، فمع بداية عام 2005 إنتهت فترة الحماية لقطاع الملابس والأنسجة وبدأت صادرات الملابس والأنسجة الأسيوية وخصوصاً من الصين، تتدفق على اسواق الولاياتالمتحدة الأميركية والأوروبية بكميات كبيرة وبأسعار جاذبة للمستهلكين سواء في أميركا أو أوروبا. ففي الربع الأول من العام الحالي ارتفعت صادرات الصين من السراويل، والقمصان والبلوزات والملابس الداخلية القطنية إلى الولاياتالمتحدة الأميركية بنسبة عالية غير مسبوقة، إذ زادت هذه الصادرات أكثر من 60 في المئة في الربع الأول من 2005 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2004. وتكررت الحكاية نفسها في أوروبا بسسب إنخفاض أسعار الصادرات الصينية. وبدأ أصحاب مصانع النسيج والملابس الأميركية والأوروبية يطالبون بحماية صناعاتهم من المنافسة الأسيوية بشكل عام ومن المنافسة الصينية على وجه الخصوص. وبدأت التصريحات و"الإتهامات"والتصريحات المعاكسة حول إغراق الأسواق الأمريكية والأوروبية بالصادرات الصينية الرخيصة، وبرز سعر صرف"ألرن مينبي"كأنه المسؤول عن ذلك لأن المسؤولين الأميركيين والأوروبيين يعتبرون أن سعر صرف"الرن مينبي"منخفض ويجب رفعه، والبعض يطالب بتغيير نظام الصرف من نظام تثبيت إلى نظام تعويم يتم تحديد سعر الصرف فيه بقوى السوق. ومن المعروف أن لنظام الصرف المثبت مزايا تفيد وتدعم التطور والتنمية بشكل عام وفي مراحل الإصلاح وإعادة الهيكلة على وجه الخصوص. فتثبيت سعر الصرف يوفر لرجال الأعمال قاعدة أكيدة للتخطيط وللتسعير وبالتالي المساعدة على الإستثمار والتجارة الدولية. وهذا ينطبق على حالة الصين في ضوء ضعف نظام المصارف وعدم قدرتها على التعامل مع تحركات كبيرة في سعر صرف"الرن مينبي"وكذلك في ضوء ضعف سوق الصرف الأجنبي الصيني الذي لا يتيح التحوط من مخاطر العملة. وإضافة، فإن سعر الصرف المثبت يقوم بوظيفة المرجع او المرتكز للسياسة النقدية بحيث يضع قيوداً عليها ويوجهها نحو الإتساق مع السياسة التي تتبعها دولة العملة المثبت عليها، أي اميركا في حالة الصين. ولنظام الصرف المثبت مساوئ أيضا حتى في ظل القيود على تدفق رأس المال لأنه يعقد إدارة السياسة النقدية. فتدفق الصرف الأجنبي، سواء من الصادرات أو الإستثمارات الأجنبية، إلى الاقتصاد، يتم تحويله إلى العملة المحلية،"الرن مينبي"وبالتالي يزيد عرض النقود في الاقتصاد، ما لم تتدفق كميات مالية مماثلة إلى الخارج، الأمر الذي يؤدي إلى ضغوط تضخمية كامنة في الاقتصاد. والواقع أن الاقتصاد الصيني تمكن من إستيعاب زيادة عرض النقود من دون إحداث تضخم، لأن الرصيد الكبير من العمالة والطاقة الكبيرة في بعض الصناعات والنمو الكبير في الإنتاجية كلها وضعت ضغوطاً لتخفيض الأسعار. وفي ضوء هذه المزايا والمساوئ للتثبيت، فإن التحول من نظام سعر الصرف"الرن مينبي"المثبت إلى نظام صرف عائم أو عائم مُدار، آت لا محالة، ولكن توقيته في الوقت الراهن غير معروف والعملات الأجنبية التي تدفقت إلى الصين وتحولت إلى"ألرن مينبي"أملاً برفع قيمته وتحقيق أرباح سريعه بالمضاربة عليه، على أصحابها الإنتظار، وقد يطول الإنتظار لأن المسؤولين الصينيين لا يقبلون الصدمات العنيفة وإن كانوا لا يمانعون الهزات الخفيفة. * مستشار اقتصادي.