اتساءل أحياناً عما تقدمه اليّ الحياة في باريس في مقابل ما اضحي به من اجلها. افكر بالمبالغ الطائلة التي يدفعها والدي ثمن اقامتي في باريس، كأن في الحياة الباريسية شيئاً ما ينقصني، ولا اجده الا فيها. المال الذي ادفعه هنا في مقابل حياتي الضيقة كل شهر، يكفيني في بيروت خمسة اشهر او اكثر. كانني انتقلت من فئة اجتماعية الى اخرى، حين تركت لبنان وجئت الى فرنسا. فقدت معظم الميزات التي كنت اتمتع بها هناك، وبت افعل اشياء ما كنت اخال انني كنت لأفعلها يوماً. اول ما افعله في الصباح هو ان اطفئ سخان الماء حتى لا يصرف كهرباء خلال النهار وأسرع الى الاستحمام قبل ان تبرد المياه لان الطقس قارس. ثم افتح باب شقتي الضيقة، لأرى ان كانت"ناطورة"البناية وضعت رسائل في صندوق بريدي، آملاً الا تكون قد فعلت. اشق الباب حتى يخرج نظري منه الى الممر، فيما ابقى انا في الداخل. امد يدي حين اجد مغلفاً في الصندوق المعلق على الباب، كانني اسرق بريد سواي، وانا اعرف ان فيه فاتورة، فلا احد يراسلني الا الشركات التي تريد مني مالاً. مئة يورو شهرياً للكهرباء، ومئة غيرها للهاتف الجوال، وخمسون لاشتراك الانترنت... يذوب مصروف الشهر، كل شهر، قبل ان اخطو خطوة واحدة خارج شقتي. تصلني الفواتير عبر البريد بعد ان يسحب المال من حسابي، كأنني لا اتحكم بأشيائي، وكأنني اعرف فقط بحدوثها، بعد حدوثها. النصائح التي يسدونها غالباً في الراديو أو في التلفزيون، آخذها وأطبقها على حياتي اليومية. لم اكن اخال يوماً مثلاً انني سوف اطفئ التلفزيون في شكل كلي وليس من خلال"الريموت"، لأمنع الكهرباء من المرور عبر اللمبة الحمراء الصغيرة التي تحت الشاشة، فلا تبقى مضاءة كل الليل. النوم مع التلفزيون الشغال كما كنت افعل في بيروت رفاهية لا يقدر عليها اي كان في فرنسا. لم اتخيل يوماً انني سأسخن طعامي على النار بدل"المايكروويف"، لأن ذلك اوفر. او انني ساضع غطاءين وأطفئ جهاز التدفئة، او حتى ان اخفف الدخان لانني لا املك مالاً لسكائري. كأنني اعيش حياة تقشف وحياة بذخ في آن واحد. ادفع مبالغ طائلة ثمن حياة بسيطة وفقيرة وضيقة. وكلما هاتفني والدي اقول له، اننا بالمال الذي صرفناه خلال سنتي اقامتي في باريس، كنا اشترينا شقة في لبنان. لا اعرف ما الذي اشتريناه بالمال هذا، غير وجودي الجسدي في باريس. لا شيء على ما اعتقد. كأننا نرجو الفرنسيين ان يسمحوا لي بالبقاء عندهم، كأننا نقول لهم اننا مستعدون لكل التضحيات، وان الحياة عندهم لا تقدر بثمن. والداي يعيشان بتشقف في لبنان، ويعطياني مالاً لأصبح فقيراً في باريس. هكذا هي الحال، منذ سنتين. ولكن ما الذي اجده في باريس، ولا أجده في لبنان؟ بماذا حياتي الفقيرة هنا افضل من حياتي المرفهة في لبنان؟ لم أركب سيارة منذ سنتين. قليلون جداً الشباب الذين يملكون سيارة هنا. حين اكون عند احد اصدقائي ليلاً، انتبه دائماً الى العودة قبل انتصاف الليل. كما معظم الفرنسيين. كلنا"سندريلات"حديثات! فالعودة في سيارة الاجرة، لا يقدر عليها الا النجوم، والسياح الذين يوفرون كل السنة حتى يصرفوا بلا حساب طوال أسبوع او أسبوعين. المترو الذي يغلق ابوابه بعد بدقائق، هو وسيلة تنقلي الوحيدة. والتنقل في المترو ليس مريحاً ولا فعالاً انتصاف الليل. نصف المسافة نقطعها مشياً على الأقدام، والنصف الآخر في مقطورة تضم ضعفي عدد المسافرين الذي تحتمل. والفوضى التي اشهدها في محطات المترو كل يوم لا نجدها في موقف السيارات العمومية في منطقة الكولا في بيروت مثلاً. مئات المسافرين يتدافعون نحو المقطورة التي لا تفتح ابوابها الا لبضع ثوان. نقف متلاصقين بعضنا ببعض، ونقسم وقتنا بين التمسك لئلا نقع، والانتباه الى جيبنا وشنطنا من النشالين. مرتين رأيت يد مسافر قربي تدخل الى جيبي وأوقفتها، ومرة لم ارها. يصعب القيام بأمرين في اليوم نفسه في باريس، بسبب المترو وصعوبة التنقل فيه. اقرب المسافات تتطلب وقتاً طويلاً، فالمتنقل في المترو يمشي اولاً الى المحطة الاقرب من مكان سكنه، ثم ينتظر القطار بين 4 دقائق وربع ساعة. ثم يصعد في القطار الذي يتوقف في كل المحطات, ثم ينزل ليغير قطاراً واتجاهاً. ثم يعيد الكرة حتى يخرج من فوهة المترو ويمشي من جديد نحو مقصده. لذلك لا يمكنني مثلاً ان اذهب عند الطبيب، والى الجامعة في اليوم نفسه. كأنه سفر، التنقل في المترو الباريسي، وكأن بين الاحياء مسافات كالتي بين المدن. سفر في قطارات لا مشاهد تمر خلف شبابيكها، في عتمة الأنفاق تحت الارض. الحياة في باريس متعبة وغالية، و خالية. كأنها ركض مستمر نحو الحياة. فالسياحة لا تعود ممكنة حين يعيش المرء في باريس. لا وقت للمعارض والمسارح حين يعيش المرء في باريس ويعمل فيها، ولا مال للمطاعم. السينما هي مشوار الطلاب الوحيد, كما الشقق الضيقة التي يجتمعون فيها حول زجاجة شراب رخيص في بلد الشراب الغالي. حياتي التي اعيشها هنا، لا تشبهني. حياة لا اتحكم بتفاصيلها، في مدينة لا املك فيها ماضياً، ولا ذكريات. اسأل نفسي ان كانت الحياة هنا تستحق كل ما تركته من اجلها. لبنان، وحياتي كلها التي تحصل هناك فيما انا هنا. البحر، والجبل، و القرية و المدينة، وأمي وأبي، وماضيّ كله. وخالتي اميمة، رحمها الله، التي تأخرت عليها وان عدت اليوم، وليا، ابنة صديقتي، التي بلغت سنتها الاولى وانا ما زلت لا اعرفها. لا ادري لماذا تركت كل شيء اعرفه وأحبه؟ ولماذا ادفع حياتي ثمن وجودي خارجها؟ فقدت باريس جمالها منذ جئت للعيش فيها. فقدت جاذبيتها، وانكشفت اسرارها. هي حياة لا تشبهني، اجرها خلفي كل يوم، في شوارع باريس المكتظة.