بداية لا بد أن نبيّن الفارق بين مصطلح الأصولية لدى الغربيين ومفهومها لدى المسلمين، فقد ضل بسبب هذا المصطلح في الغرب خلق كثير حيث حكموا على المسلمين بالتطرف والغلو والتزمّت عندما ربطت وسائل الاعلام الغربية بين الاصولية والاسلام، ذلك ان الاصولية تعني بمفهومها الغربي التطرف وكراهية العلم، بينما تعني الاصولية بمفهومها في الاسلام خلاف هذا المعنى تماماً، حيث تعني العودة الى الاصول او الجذور في فهم الاسلام. ولتوضيح هذه الحقائق سأستعرض مفهوم الاصولية لدى الغربيين ومفهومها لدى المسلمين. مفهوم الاصولية لدى الغربيين: يطلق الغربيون على حركات الغلو والتطرف كلمة Fundamentalism باللغة الانكليزية، وهذا المصطلح يرمز الى مذهب معيّن من الحياة الغربية بمجرد سماعه تتذكر واقعاً مرِّاً قد مر بها، والاصولية من مفهوم عامة الناس من الغرب تعني التمسك الحرفي بالانجيل. وأما نشأة الاصولية النصرانية فإن معظم الباحثين يشير الى انها من القرن التاسع عشر الميلادي، حيث عقدت حلقات مؤتمر للبروتستانت المحافظين ومن أحد هذه المؤتمرات مؤتمر نياغرا عام 1895م الذي أعلن أسس الحركة الاصولية، ولكن الكنائس البروتستانتية انقسمت على نفسها في ق/20م فصاروا فريقين: 1- الاصوليون 2- العصرانيون ثم في الفترة ما بين 1901 و1915 نشر الاصوليون في اميركا عدة كتب بعنوان "الاصوليات" واستعملت فيها عبارة "الاصوليون" للدلالة على العناصر المتمسكة بالتعاليم الدينية التقليدية المستوحاة من النصوص الانجيلية والاعتقاد بألوهية عيسى عليه السلام وغير ذلك من الافكار. وأصبح اليوم مصطلح الاصولية يعني عند الغربيين فِرق من البروستانت تؤمن بالعصمة بكل كلمة من الكتاب المقدس ويدّعي افرادها التلقي المباشر من الله ويعادون العقل، والتفكير العلمي ويميليون الى استخدام القوة والعنف لفرض معتقداتهم الفاسدة. وعمدت وسائل الاعلام الغربية المعادية للاسلام الى استخدام مصطلح الاصولية الاسلامية بهدف تشويه سمعة الاسلام لدى المستمع والمتلقي الغربي لأنه يعتقد ان مصطلح الاصولية في الاسلام يماثل مصطلح الاصولية عند الغرب التي تحارب العقل والتكفير والعلم والتقدم. مفهوم الاصوليه لدى المسلمين: مدلول كلمة الاصولية لدى المسلمين يختلف تماماً عن مدلول هذا المصطلح لدى الغربيين، فكلمة الاصولية باللغة العربية مصدر منسوب الى كلمة الأصول، فالأصوليه تعني العوده الى الأصول أو إلى الجذور وتلك الأصول والجذور هي ثلاثة اصول: الأصل الأول: القران الكريم الأصل الثاني: السنّة النبوية الأصل الثالث: ما اجتمعت عليه الامة وبمعنى آخر الاصول هي الأسس والدعائم والمقومات فأسس العقيدة الاسلامية هي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والايمان بالقدر خيره وشره. والاركان الاساسية للعبادات في الاسلام هي اصول ايضاً وهي: الشهادتان واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، كما ان الشرائع القطعية التي جاء بها الاسلام أحلّ بها الحرام وحدد بها العلاقات بين الناس هي اصول ايضاً. القيم الاخلاقية الحضارية التي جاء بها الاسلام فأقام بها الحق وأشاع بها الخير ووطّد بها عمارة الارض وتمّم بها مكارم الاخلاق هي اصول أيضاً. فالأصولية في هذا المعنى فخر ومنقبة وليست تهمة ولا تطرفاً ولا تزمتاً. ولكن الاسلام حرّم الغلو والتطرف واعتبره مخالفاً لمنهج الاسلام، ومن ذلك الأصولية بالمفهوم الغربي ولا عجب ان نرى نهي الله جلّ وعلا أهل الكتاب على وجه الخصوص عن الغلو فقال: "يا أَهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الإ الحق". وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هلك المتنطعون قالها ثلاثاً" فالاسلام لا يعتقد بألوهية إلا الله ولا يعظم البشر ويعتبر العصمة والقداسة للنص قطعي الثبوت والدلالة واما ظن الدلالة فتختلف الافهام فيه، ولا يعادي العقل ولا التفكير العلمي، فأول آية نزلت من القران "إقرأ باسم ربك الذي خلق". ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع"، ويحرم الانقطاع للعبادة. قال تعالى: "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم"، كما يحرم الاعتداء على الآمنين والمعصومين من المسلمين وغيرهم. قال جلّ شأنه "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق". وقال صلى الله عليه وسلم: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة"، كما ان الاسلام حثّ على الجهاد إذا تعرّض المسلمون للأذى او منع الناس من تلقي الحق بل قد أوجبه الاسلام اذا اعتدي على المسلمين وليس هذا من الارهاب في شيء، وقد كفلت ذلك جميع الشرائع والقوانين الدولية. والجهاد في فلسطينوالعراق مشروع وليس ارهاباً أما الاعتداء على المدنيين في العراق في مساجدهم ومعابدهم فقطعاً ليس هذا من عمل المسلمين وإنما هو من فعل أعدائهم او المستأجرين من المسلمين . والاسلام بتعاليمه وآدابه السامية أحاط الجهاد بضوابط، فقد حرّم قتل النساء والاطفال غير المحاربين والعباد والشيوخ والاعتداء على الاشجار والاموال. والنصوص في هذا كثيرة ومعلومة، إذن الأصولية في الاسلام تعني العودة الى الاصول والثوابت الشرعية وتحرم الغلو والتطرف والاعتداء على الآخرين في أي شكل كان. * أستاذ مشارك في كلية الملك فهد الامنية والمعهد العالي للقضاء وخبير في المجمع الفقهي الاسلامي الدولي.