Kenneth Pollack. The Threatening Storm: Invading Iraq. The Case for العاصفة المهددة: الحجة لصالح غزو العراق. Random House, New York. 2003. 495 pages. كل الحجج المطروحة في سبيل تبرير الحرب ضد النظام العراقي لا تبدو مقنعة على وجه قاطع. فهي اما تفتقر الى التماسك المنطقي، اوالى الدلائل الجازمة، او الى إحتساب فعلي للعواقب الواردة في حالة خوض حرب كهذه. فمثلاً الحجة التي تقوم على الزعم بأن نظام الرئيس العراقي صدام حسين يمتلك أسلحة كيماوية وبيولوجية، لا تفتقر الى البراهين الملموسة وحسب وانما لا يبدو ان أصحابها يعون حجم خطورة إعلان حرب على نظام يمتلك مثل هذه الأسلحة. فإعلان حرب على النظام المعني، وبهدف إطاحته، لن يكون أفضل من دفعه الى استخدام مثل هذه الأسلحة وعلى صورة توقع اللوم على مُعلني الحرب. ففي النهاية لا يسع أحداً ان ينكر ان لجوء النظام العراقي الى فعل رهيب كهذا سيكون من قبيل فعل اليائس الذي لا أمل له بالنجاة، خاصة وان هذا اليائس، وبإجماع كوني، لا يُعير الشرائع والقيم الإنسانية اي إعتبار. ولكن ما العمل؟ يسأل دعاة الحرب وهم يواجهون قصور حججهم وضعف مقوّماتها. ما الفعل الناجع حيال نظام خطر كهذا، لم يكف عن مراوغة القرارات الدولية منذ نهاية حرب الخليج الثانية 1991، بل جعل يسعى الى تحقيق برنامج نووي يؤبّد دوامه على صورة أخطر مما هو عليها في الحاضر؟ إزاء سؤال كهذا تأتي أهمية كتاب بولاك، الخبير الاميركي في شؤون الشرق الأوسط والمستشار في شؤون الأمن والإرهاب. وليس لأن بولاك يقدم خياراً مختلفاً عن خيار الحرب، كما هو واضح من عنوان الكتاب، وإنما لأنه يبيّن أن الخيارات الأخرى لن تفلح في الحؤول دون حصول نظام صدام حسين على أسلحة نووية او الحد من إحتمال إستخدامه لها في المستقبل، بعدما يتسنى له امتلاكها. فلم تُفلح سياسة الإحتواء في إخضاع النظام العراقي لما تمليه قرارات الأممالمتحدة من حتمية تجريده من الأسلحة التدميرية، او مقومات صناعتها، فضلاً عن الصواريخ البعيدة المدى. أقله كذلك الكف عن السعي في سبيل تحقيق برنامجه النووي. وتبعاً لتقديرات الكاتب، وهي تقديرات تستند الى مصادر أمنية أميركية وبريطانية، فإن النظام العراقي، وعلى رغم سياسة الإحتواء المزعومة، أمسى قادراً على تحقيق برنامجه المُهلِك في غضون عامين على أسوأ تقدير، وستة أعوام على أحسنه. فهو إن تمكّن من ابتياع المادة الإنشطارية سيفلح في بلوغ مأربه في الفرصة الأقرب. أما اذا لم يتمكن، فإنه قادر على اثراء اليوارنيوم المحلي الإستخدام، بما يجعله مادة صالحة لغرض الأسلحة التدميرية. وهذا لن يحتاج الى مدة تزيد على ستة أعوام. وإذا ما حصل على هذا السلاح، فإن هذا لا يعني بطلان سياسة الإحتواء فحسب، وإنما إستحالة خيار الحرب من دون إحتساب خطر دمار شامل. ولا يبقى امام الدول الغربية والعالم من خيار سوى "سياسة الردع". وهذه هي السياسة التي انتهجتها بلدان حلف الناتو في مواجهة الإتحاد السوفياتي وحلفائه من دول الكتلة الإشتراكية. لكن إذا كانت هذه السياسة قد نجحت في مواجهة المعسكر الإشتراكي، فإن من المستبعد ان تعرف النجاح نفسه حيال نظام شأن النظام العراقي الراهن. فصدام حسين مغامر ومقامر، رديء الحسابات، على ما برهن سجله السياسي منذ استيلائه على السلطة في العراق. وهو لا يمكن ان يقنع بفرض سلطانه على ارض بلاده فقط، او حتى على بعض المناطق المجاورة. فليست السكونية السياسية من خصاله ولا تكريس واقع الحال هو غرضه، وإنما هي سياسة الفعل، الحرب والغزو، وما قد يؤدي الى تهديد واقع النُظم والمجتمعات الشرق أوسطية، فضلاً عن التسبب بأزمات في العلاقات الدولية عموماً. والراجح ان السيطرة على نفط البلدان المجاورة شأن الكويت والمملكة السعودية وبلدان الخليج الأخرى قد تحدو به الى مغامرة عسكرية جديدة تمكّنه في النهاية من ابتزاز العالم الصناعي المحتاج الى نفط رخيص. لا ينكر بولاك أن النفط هو أحد المبررات الرئيسية لخوض الحرب ضد النظام العراقي، لكن ليس السعي الى النفط بدافع الإحتكار والجشع وإنما حماية الاقتصاد الغربي والعالمي مما قد يهدد مقومات ديمومته واستقراره. فخسارة مورد النفط العربي كفيل بأن يؤدي الى كساد إقتصادي هائل وشامل. ومثل هذا الكساد لن يتهدد حياة فئة او نظام معين، إنما قد يطاول معيشة طبقات ومجتمعات مختلفة في العالم، وبما يؤدي الى إندلاع نزاعات وإضطرابات وحروب. لكن بولاك ليس محض واقعي براغماتي، انما هو أخلاقي المقترَب ومعني بحقوق الإنسان والشرائع الدولية. ولعل هذا ما يمنح دراسته سمة الشمولية ويحصّن حجته ضدالإعتراضات التي غالباً ما تُساق ضد حجج الحرب الأخرى. فمن وجه، تجده يُقرّ بأنه لو لم يحتل النظام العراقي موقعاً إستراتيجياً لما جاز للولايات المتحدة والغرب عموماً محاربته، مهما بلغت قسوته وجرائمه. فالوازع الواقعي البراغماتي ينتصر، في حالة فرضية كهذه، على الوازع الأخلاقي بما يجعل التدخل العسكري ذا الدافع الإنساني محض تعبير عن نزعة طوباوية لدى نُظم وبلدان تشاء إدعاء الطهارة والإلتزام الأخلاقي. غير انه، من وجه آخر، يُصرّ عى ألاّ يقتصر هدف الحرب على إطاحة النظام الراهن وإقامة نظام موالٍ للغرب. فالواعز الأخلاقي، في هذه الحالة، من الثبات بما يُملي ضرورة مساعدة العراق على إعادة بناء نفسه وتحقيق الأمن الإستقرار من خلال الإحتكام الى نظام سياسي يضمن المساواة لمختلف طوائفه. بل لا ينبغي ان تقف السياسة الغربية، في حقبة ما بعد الحرب، عند حدود إعادة بناء العراق وإنما إحياء المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية من خلال إبداء إستعداد تام لممارسة ضغوط متكافئة على الطرفين. والمثير الفضول في امر هذه الحجة ان صاحبها لا يبدو متحمساً لحرب تُخاض على الفور. فهو، رغم إدراكه خطورة حيازة النظام العراقي للأسلحة النووية، يأمل التريث، وعلى وجه يجعله أقرب الى موقف بلدان شأن فرنسا وألمانيا وروسيا، منه الى موقف الإدارة الاميركية وحلفائها. طبعاً الكاتب، وكما عرضنا، لا يراهن على إمكانية تطبيق القرارات الدولية بالطرق السلمية، وإنما يرى أن من الضروري التمهل ريثما يُصار الى القضاء على التحدي الأصلي، اي المنظمات الإرهابية التي قد تباغت الولاياتالمتحدة وحليفاتها بهجوم إرهابي على أراضيها في وقت تكون منشغلة تماماً بحربها في العراق. وهذه الدعوة الى التريث، وعلى رغم ما تنم عنه من حذر وحكمة، لهي بالذات ما يثير التساؤل حول صحة الحجة التي يسوقها بولاك في الرد على معارضي الحرب. فالكاتب الخبير بشؤون الأمن والإرهاب يدرك تماماً أن احداً لا يمكنه القطع بنهاية منظمةٍ ك"القاعدة" او نظيراتها، مهما بلغ نجاح الجهود الساعية الى تحقيق هدف كهذا. وهو إذ يدعو الى التريث حتى يُصار الى القضاء على خطر الإرهاب، فإنما يدعو الى تريث قد يدوم لأعوام عديدة وبما يمكّن النظام العراقي من تحقيق مشروعه النووي، على ما يحذّر الكاتب نفسه. ولعل هذا ما قد يشي بأنه ليس على خشية قاطعة من حصول ما يحذّر من حصوله. ولئن كان بولاك قد إستند الى وثائق أمنية أميركية وبريطانية حول قدرة النظام العراقي على تطوير برنامجه النووي خلال عامين او ستة أعوام، فليس هناك من الدلائل القاطعة على إقدامه على هذا الفعل، وهو ما أخفق المفتشون، حتى الآن، في البرهان عليه. كما ليس ثمة من برهان على إخفاق سياسة الإحتواء الاّ في حالة تحقق المشروع النووي المفترض. الى ذلك، فلئن جاز لنا إفتراض صدور الأسوأ عن ديكتاتور دموي ومغامر، رديء الحسابات، شأن صدام حسين، فإن هذا ليس بدليل كاف على ان سياسة الردع، في حالة تمكن العراق من حيازة الأسلحة التدميرية، لن تنجح كما نجحت في مواجهة الإتحاد السوفياتي على مدى اربعة عقود. ولا شك بأن الجمع ما بين المقتربين البراغماتي الواقعي والأخلاقي الحقوقي قد أتاح للكاتب تقديم حجة شاملة في سبيل الحرب، تتلافى ضعف الحجج الأخرى. بيد ان هذا الجمع بالتحديد انما يشي بمحاولة مراوِغة لتغطية ضعف المقترب البراغماتي حيث يبدو ضعيفاً، وإنعدام مصداقية المقترب الأخلاقي حينما يفشل في الإستجابة الى متطلبات الكونية التي يزعم الإستناد إليها. وفي النهاية فإن صعوبة الجمع ما بين المقتربين هو ما يجعل كلام دعاة الحرب غير مقنع عند جمهورهم، ومهما كان اولئك الدعاة مخلصين في محاولة الإستجابة لشروط البراغماتية والأخلاقية معاً.