سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
آخر أسير لبناني شارك في الحرب العراقية - الايرانية يروي ل"الحياة" قصة اسره والإفراج عنه . حسين علي قيس سجن 21 عاماً في عشرة معسكرات ايرانية ولم يعرف ان الدنيا تغيرت
لم يقبل سجّانو اللبناني حسين علي قيس 52 عاماً الايرانيون ان يخلوه، بعدما سجن 21 عاماً، خالي اليدين، بل ألبسوه بذلة وأعطوه حقيبة فيها حلوى ايرانية ونسخة من القرآن الكريم وسجادة للصلاة. هذا ما حمله من ايران هدية، لكن ما أتى به من ألم ومعاناة وعزلة جناها طوال 21 عاماً أكبر كثيراً. فعلى الأقل هو آخر أسير لبناني في ايران، من الذين تطوعوا للمشاركة في الحرب العراقية - الايرانية في ثمانينات القرن الماضي، ولم يسمح له أبداً بمراسلة ذويه الذي ظنوه ميتاً لسنوات طويلة. وروى قيس ل"الحياة" بعضاً من حياته في الأسر، وترك بعضها الآخر حتى يرتاح قليلاً ويستعيد ما يذكره من مواقف "نضالية" في نحو عشرة معسكرات سجون تنقل بينها طوال فترة سجنه. انتمى قيس في ريعان شبابه الى حزب البعث العربي الاشتراكي - جناح العراق، أي في بداية السبعينات قبل اندلاع الحرب اللبنانية، عندما كان لهذا الحزب شأن في لبنان كأحزاب ومنظمات كثيرة. تبنى العقيدة البعثية ومبدأها في الدفاع عن الاقطار العربية. كان قيس حينها يعمل مع والده في الأرض في بلدته الصغيرة، بعدما انقطع عن الدراسة في المرحلة المتوسطة. في مطلع الثمانينات تزوج ورزق ولداً عام 1981، وبعد أشهر حملت زوجته بجنين جديد. في العام 1982 بدأت تدب في نفس قيس وشبان آخرين، عرباً ولبنانيين، حماسة المشاركة في الحرب العراقية - الايرانية. ولم يتردد طويلاً في اتخاذ القرار "لأن المعركة قومية ولم تكن معركة العراق وحده، وكان مفروضاً على كل عربي ان يشارك فيها دفاعاً عن تراب الوطن العربي على البوابة الشرقية". خطط قيس للذهاب والمشاركة نحو ثلاثة أشهر "مساهمة في هذه الحرب على رغم ان العراق لا يحتاج الى مشاركتي، انما لأنني أحمل فكراً بعثياً وأؤمن به". وأمل بأن يعود بعد تلك المشاركة الى ذويه وعائلته الصغيرة اذ لم يكن طفله علي بلغ السنة بعد، وكذلك ابنته نسرين لم تكن مولودة. فكّر قيس في كل المخاطر وتوقع كل شيء حتى "الشهادة كانت في الحسبان" الا الأسر فلم يخطر في باله أبداً. لكن هذا ما حصل له بعد أقل من شهر من وصوله الى العراق ومشاركته في الحرب. ترك قيس بلدته في 25 شباط فبراير 1982 مع ثلاثة آخرين ليصل مع نحو ثمانين لبنانياً الى مدرسة الاعداد الحزبي في العراق. ثم انتقلت المجاميع بعدها الى معسكر حيث شكلوا الى مجموعات يسمونها "قاطع" يضم كل واحد خمسمئة شخص. تدرب المتطوعون وجهزوا ببنادق وعتاد وهيئوا عسكرياً في نحو 15 يوماً، وبعدها نقلوا الى الجبهات وعلى الخطوط الأمامية. كان قيس في جبهة "ديزفول" وهي منطقة ايرانية دخل فيها العراق نحو 90 كيلومتراً. ما كاد المتطوعون الجدد يصلون حتى نشبت بعد نحو ثلاثة أيام معركة ضارية. حشد لهذه المعركة الايرانيون كثيراً بعدما قرروا استعادتها. استخدموا قوة كبيرة، وجعلوا المعركة شديدة جداً. تمكنوا بعد نحو 48 ساعة من التقدم والالتفاف على الجنود المرابطين داخل تلك المنطقة خصوصاً ان "العراق نفس الجبهة"، فوقع الجنود في الخطوط الأمامية في الأسر. لم يكن الفرار ممكناً "فنحن ذهبنا لنقاتل لا لنهرب". بقي المتطوعون في امكنتهم وراح الايرانيون يدنون منهم شيئاً فشيئاً حتى وصلوا اليهم عند الخامسة مساء. علم قيس انه وقع في وضع غير طبيعي وها هو "العدو" يحاصره ويوقعه أسيراً. وهنا اقترب منه الجنود و"سلبوني سلاحي وارادتي وكياني ووجودي". فقد كل شيء في تلك اللحظة وهو الذي ذهب للدفاع عن الأراضي العربية والعراقية "لأنها اذا سقطت قد تتلوها الأراضي السورية وبعدها لبنان، فالخلافات العقائدية بين العرب والفرس قديمة". لكن أبا علي كنيته هو من سقط في الأسر في 22 آذار مارس 1982 الخامسة مساء. لم تكن لديه فكرة عنه ولم يكن يعرف معاناته من قبل. عرف ان في امكان آسره ان يفعل به ما يشاء خصوصاً ان "بعضنا تأذى وبعضنا أعدم وبعضنا من ضيفه العدو سيجارة وهذه كانت أفضل شيء يقدم الى الأسير". وضع أبو علي مع نحو 50 شخصاً في خانة الاعدام، الا ان رجلاً ايرانياً متقدماً في السن جاء وتحدث مع الجنود بالفارسية لم يفهم كلامه فلم ينفذ بهم الاعدام ولم يعرفوا السبب. نقلوا بعدها الى معسكر مسيج بأسلاك في "ديزفول" في منطقة صخرية. أمضوا الليل في هذا المعسكر الذي كادت تقصفه طائرات عراقية نهاراً "الا ان الطيار رأى الأسرى بعدما أغار بطائرته فوقنا فعاد وارتفع من جديد على رغم الرميات الكثيفة عليه". وفي اليوم نفسه نقل الأسرى الى معسكر آخر داخل مدينة "ديزفول" وقدم لهم في السيارات خبز وتفاح. بعضهم أكل وغالبيتهم لم تأكل وقيس من هذه الفئة ولم يضع في فمه حتى الماء ثلاثة أيام. كان ذاك المعسكر كبيراً جداً ويتألف من قاعات كبيرة، وفيه أيضاً مراحيض "حلت لنا أكبر مشكلة عانيناها في اليومين الماضيين". كان قيس مع مجموعة تتألف من نحو ثلاثين شخصاً معظمهم لبنانيون ومعهم تونسي وليبي وسوريان. وضع السجانون في تلك القاعة صناديق من التمر التالف. لم يأكل منه أحد في أول ليلة وهي كانت عاصفة وماطرة وكأن الرعد والبرق أشعلا جبهة جديدة. كان البرد قارساً ولم يكن ما تبقى عليهم من ملابس كافياً لرده. التصقوا بعضهم ببعض ونام كل واحد في حضن صاحبه، او واضعاً رأسه على كتفه. بعد نحو ثلاثة أيام تضاعف العدد مراراً حتى أكل التمر جميعاً. فأحضر الايرانيون، بعدما صنفوا الأسرى في مجموعات وأعطوهم ارقاماً، صحافيين راحوا يلتقطون لهم صوراً وتحدثوا الى بعضهم. لم يتحدث الى مجموعة قيس أي صحافي الا ان مصوراً عرف انهم لبنانيون فجاء وراح يلتقط لهم صوراً كثيرة. في اليوم نفسه، بعد الحفلة الاعلامية، احضروا لهم غداء من شوربة الخضار والرز والخبز. وعند الساعة السادسة مساء نقل الأسرى بسيارات عبر شوارع المدينة في مواكبة جنود كثر، الى الأهواز حيث وضعوا في قصر كبير من القصور التي كانت للضباط الكبار في عهد الشاه. كان مؤلفاً من غرف كثيرة وقاعات، وكانت خالية من الأساس الا الأرض فكانت مفروشة ب"موكيت". وهنا نام الأسرى أول ليلة دافئة. وفي اليوم التالي نقلوا الى معسكر آخر يسمونه "المدرسة" في الأهواز وكان فيه كثير من الأسرى العراقيين، حيث بقينا نحو اسبوع. وهناك أجرى مسؤول المكان علي أخشاري تحقيقاً مع الأسرى "الا اننا لم نخضع لتحقيق لأن وضعنا معروف وكذلك جنسياتنا بعدما اتفقنا على التعريف عن هوياتنا لنحافظ على رفاقنا من الأسرى الافريقيين". في هذا المكان أكثر ما كان الأسير محتاجاً اليه هو السيجارة، ومن استطاع منهم ان يحافظ على شيء من مقتنياته ولم يسلمه لحظة الأسر، راح يقايض به بدخان، حتى وصل سعر السيجارة الى 25 ديناراً عراقياً في تلك الفترة. كان الأسرى في هذا المركز يلتزمون الصمت معظم الوقت واذا تحدثوا بعضهم مع بعض فكان حديثهم تطييب خواطر وشد أزر "كي لا يتأثر بعضهم بالعواطف والابتزاز بوسائل ضعيفة قد تستغل لأن في هذه المنطقة، بحسب ما سمعنا من أناس خضعوا لتحقيقات، اذية وضرراً". شوهد بعض الأسرى مجروحين وتعرضوا لأذى، لكن الأسرى العرب لم يتعرضوا لأي أذى "ربما بسبب الاعلام". في الخامس من نيسان أبريل 1982 جاء أمر بنقلهم الى طهران، فنقلوا الى محطة القطارات. وهناك كان الموقف حرجاً وصعباً، حيث كان مئات الناس مجتمعين وهجم بعضهم مسلحاً بسكين ليطعننا. وكال الناس للأسرى شتائم كثيرة ينعتوهم ب"المزدور" بالفارسية عرفوا في ما بعد معناها أي "المرتزقة"، وبصقوا عليهم ورشقوهم بالبيض والحجارة. لم يستطع الجنود في هذه اللحظة انزال الأسرى فأبقوهم في السيارات حتى تمكنوا من ابعاد المتجمعين. وراحت كل سيارة تقترب من باب القطار ويدخل الأسرى مكبلين مباشرة اليه. بعد مسيرة يوم وصل القطار الى طهران حيث تكررت معاملة الناس لهم، الا انها اقتصرت على الهتاف والشتائم. ونقلوا الى معسكر في وسط طهران اسمه "دوجبان مركز" وهو كبير وكان عدد العرب 120 شخصاً. ثم نقل قيس الى عدد آخر من المعتقلات هي "الداوودية" و"قلعة سنكست" في مشهد، ومنها الى "سرخست" فردوان ومنها الى "كوشان" ثم "ميانة - قلعة مسار" ف"كاشان - برندك كمب كلاهروز بخش -3" ف"الحشمتية". خضع قيس لمحاكمات كثيرة في المعسكرات التي تنقل بينها، وظل متمسكاً بمبادئه الحزبية فيها، ومقطوعاً عن الأخبار، فكأن التاريخ عنده توقف عند العام 1982. لم يعرف ان الحرب العراقية - الايرانية انتهت، ولم يعرف ان العراق اجتاح الكويت ثم أخرج منها، وانقطعت علاقاته بالدول العربية جميعاً بما فيها لبنان وسورية، ولم يعرف بالحصار الذي فرض عليه، وكذلك لم يعرف ان ايران وقفت مع لبنان في مقاومته الاحتلال الاسرائيلي. ظل معزولاً عن العالم وكذلك عن ذويه اذ لم يسمح له بمراسلتهم. فهو لم يكن يعرف عنهم شيئاً وهم كذلك اذ لم يعترف الايرانيون بوجوده الا بعد مداخلات سياسية كثيرة، على رغم ان عائلته عرفت انه موجود في احد السجون الايرانية. فزوجته التي لم تعرف أولاً ما حل بزوجها، تمكنت بمساعدة اخوتها واخوته من ان تربي طفليها ثم فتحت دكاناً صغيراً لا تزال تعتاش منه. وبعد مدة شاهدت صورته في مجلة حزبية كانت تنشر تحقيقاً وصوراً عن الأسرى في العراق لا تذكر التاريخ. سعت لدى الأمين العام السابق ل"حزب الله" السيد عباس الموسوي، فأبلغته انها رأت صورته في المجلة وانه مسجون في ايران فوعدها خيراً. ثم ذهب الى طهران لكنها لم تستطع مقابلته عندما عاد اذ اغتالته مروحيات اسرائيلية بعد يومين في الجنوب. بقي لدى العائلة أمل بالافراج عنه، فسعت لدى المنظمات الانسانية ورجال السياسة. بقيت العائلة على هذه الحال فترة وكلما خرج أسير سألوه عنه حتى تجمعت لديهم معلومات انه حي يرزق في سجن "قصر فيروز". بدأت العلاقات الايرانية - العراقية تتحسن، فانعكس هذا الأمر على وضع الأسرى داخل السجون. وبدءاً من 25 آب أغسطس 2000 تحسنت معاملة السجناء واعيد ربطهم بالعالم اذ سمح لهم بمشاهدة التلفزيون. اهتم قيس بأخبار لبنان وكان تحرر من الاحتلال الاسرائيلي، وسمع عن "حزب الله" وعن دوره في المقاومة. وكذلك سمح له بان يراسل عائلته لكنه رفض ذلك قائلاً لسجانه "لم تسمحوا لي بذلك 20 عاماً والآن تريدني ان اراسل عائلتي، بعدما وقعت اتفاقاً مع العراق؟ لا، فأنا في نظر عائلتي ميت وهي في نظري كذلك، واذا اردتم انتم ان تبعثوا لها برسالة فافعلوا أما أنا فلا". فسأله سجانه: "هل يتنكر المرء لعائلته؟". وأجابه: "أنا شاذ عن القاعدة، وعائلتي هم الأسرى الذين كنت معهم". فأوحى له انهم يريدون ان يخلوه - في تلك الاثناء بدأ سياسيون يسألون عنه بينهم رئيس الحكومة رفيق الحريري و"حزب الله" - وقال له: "لا اريد ذلك من طريق جهة سياسية، واذا كنتم جادين في تخليتي، وانتم تقولون انكم في خدمة الاسلام وفي مواجهة الصهيونية واميركا، اطلقوني في طهران وأنا أتدبر نفسي". وكان قيس يريد ان يعود من حيث أتى أي الى العراق. بعد مدة اذيع خبر عن اطلاق ايران كل الاسرى العراقيين لديها، فسألت العائلة السفارة الايرانية عن سبب بقائه هناك فقالوا لهم "لا مانع سياسياً للافراج عنه بل يجب ان تطالب به الدولة". في تلك الأثناء ارادت العائلة ان تذهب الى ايران، لكنها قررت استشارة الوزير بشارة مرهج الذي أبلغ الحريري بالأمر. طلب الحريري منه لقاء العائلة وأبلغها ان سفرها الى ايران لن يكون مجدياً في هذه الفترة مطلع العام 2001 لأن الايرانيين منشلغون بالانتخابات الرئاسية. ووعدهم بأنه سينقل هذه القضية الى الرئيس محمد خاتمي عندما يزوره مهنئاً اذا فاز بالانتخابات. وهكذا كان اذ اثار الحريري مع خاتمي هذه القضية، وفي اليوم التالي وعده بان يخليه قريباً. في العام 2002 اخلت ايران الاسرى العراقيين فذهبت الزوجة وولداها الى بغداد في 13 آذار/ مارس 2002 حيث التقوا محررين اثنين ابلغاهم انه موجود في سجن "برندك كمب كلاهدوز بخش 3". عادوا الى بيروت وعاودوا مطالبتهم السياسيين بالتدخل وكذلك نفذوا اعتصامات أمام مبنى الأممالمتحدة. في هذه الاثناء كلف الأمين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصرالله مسؤول الحزب في ايران السيد عبدالله صفي الدين السؤال عنه. وبعد مدة جاء أحد مسؤولي الحزب وأبلغ العائلة انه سيفرج عنه لكنه لا يقبل بذلك "اذ لا يزال على مبدأه اي العودة من حيث اتى"، وطلب منهم الذهاب الى ايران. فذهبت الزوجة وولداها حيث التقوه واقنعوه بالعودة. اقتنع ثم مكثت العائلة ثلاثة اسابيع هناك عمل خلالها صفي الدين والسفير اللبناني عدنان منصور والقنصل علي حبحاب والملحق الثقافي علي الهاشم، على إنجاز الاجراءات والمعاملات القانونية، ثم اخلي من سجن "الحشمتية" حيث توجد لجنة الكومسيون المتعلقة بالأسرى حيث التقى عائلته واتفق معها على الخروج من السجن "وفق الشروط التي اردتها" والعودة الى لبنان.