فيما كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يبحث مع رئيس الوزراء الاردني علي ابو الراغب في سياسة "الاغتيالات" التي انتهجتها اسرائيل ضد النشطاء الفلسطينيين، كان مسلح مجهول الهوية قد "اغتال" قبلها ببضع ساعات "رجل اعمال" اسرائيليا في احد ضواحي العاصمة الاردنية. وبينما حاولت الحكومة الاردنية ترجيح وجود خلافات مالية وراء قتل الاسرائيلي، اكدت الحكومة الاسرائيلية قناعتها بأن اسحق سنير راح ضحية هويته الاسرائيلية، لا اكثر ولا اقل. وبغض النظر عما قد تتمخض عنه التحقيقات في الحادثة، وما إذا كانت ستثبت النظرية الاردنية او الاسرائيلية او ما بينهما، فإن الرصاصات التي اطلقها منفذ عملية القتل هذه بعثت اكثر من رسالة سياسية. ففي سياق حملة الاغتيالات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، يبدو مدبر حادثة "الاغتيال" وكأنه يقول لآرييل شارون وفريق الاغتيالات الذي يعمل تحت امرته بأن "العين بالعين والسن بالسن، والباديء اظلم". فرغم ان الوضع قد لا يبدو متوازيا تماما، على اساس ان اسرائيل تدعي أنها لا تستهدف إلا "ارهابيين" محتملين، فإن الصواريخ التي اطلقتها فرق الاغتيال الاسرائيلية قتلت ايضا اطفالا ليسوا اقل براءة من اسحق سنير، على افتراض ان الضحية الاسرائيلي قد يكون فعلا مجرد رجل اعمال بريء لا علاقة له بأي جهاز امني اسرائيلي. والرسالة الثانية هي ان الاسرائيليين مهددون اينما كانوا وبغض النظر عن وظيفتهم، ما يعني توسيع دائرة المواجهة الفلسطينية-الاسرائيلية الى خارج اسرائيل والاراضي الفلسطينية، وخروجها عن نطاق الرد على العنف الاسرائيلي بإستهداف قوات الاحتلال والمستوطنين. وقد تكون اسرائيل ارتكبت خطأ فادحا عندما بادرت بإستهداف قيادات سياسية في المقاومة الفلسطينية بعد ان كانت عملياتها تستهدف القيادات الميدانية العسكرية. من جهة اخرى، تبعث الحادثة نفسها رسالة اخرى تستهدف ارهاب اي طرف عربي يتعامل تجاريا مع الاسرائيليين، وهي بالدرجة الاولى رسالة لرجال الاعمال في الدول العربية التي اقامت علاقات تجارية مع اسرائيل، سواء في اطار معاهدات سلام او من دونها. وبغض النظر عما إذا كانت الرسالة وصلت او ضلت طريقها، فإنه لا توجد ضمانة بعدم استمرار عمليات من هذا النوع في المستقبل وفي اكثر من موقع في المنطقة او العالم. في وجهها الآخر، تستهدف حادثة اغتيال رجل اعمال اسرائيلي في عمان الاساءة الى امن المملكة واستقرارها من حيث انها تشكل خرقا خطيرا لسيادة القانون، كما توجه في الوقت نفسه ضربة للاقتصاد الاردني. فاغتيال مواطن اسرائيلي في عمان قد يؤدي الى انسحاب الشركاء الاسرائيليين من مشاريع توظف اكثر من 20 الف اردني في المناطق الصناعية المؤهلة، فضلا عن انها تؤدي الى تهريب السياح الاجانب بغض النظر عن جنسياتهم. فكل ما يتطلبه الامر هو بضعة تقارير عن الحادثة على شبكة "سي ان ان" لتلغي المجموعات السياحية الاميركية والاوروبية برامجها السياحية في المملكة. المهم هو ان هناك من يرغب في توسيع دائرة المواجهة الفلسطينية مع اسرائيل، وقد تكون هذه الحادثة مجرد بداية. اما الاكيد فهو ان ذلك لن يخدم القضية الفلسطينية بقدر ما يضر مصالح الدول التي تمتد اليها نيران المواجهة.