لاحظت حنين ميلها الى الانفعال والتأثر السريع والبكاء المتكرر خلال الأسبوع الأخير من حملها الأول. وفسّرت الأمر بأنه تأثّر بالمسؤولية الجسيمة المرتبطة بالكائن المتوقع وما تتطلب تربيته من جهود وقدرات. ولطالما أملت أن تلد بكراً ذكراً تجنباً للألسن السليطة من العائلة وخارجها. وأكد زوجها أنه لا يفرهّق بين ذكر و أنثى، لكنها تعلم انه أكثر ميلاً الى الابن. ولم تخب آمال حنين في البكر، لكن "شيئاً ما" تجهله حال بينها وبين الفرح بقدوم الابن! لم تستطع تفسير الأمر، فالولادة كانت سهلة يسيرة ولم تعان ما ظنت طويلاً أنه سيكون هولاً وآلاماً لا تطاق. ومع ذلك لم تذق طعم الفرح، بل أبدلت به غماً وكرباً فاقا كل ما عانته في حياتها. أقسى من حزنها غداة فقد أبيها، وأكثر مرارة من كل غمّ كابدته. لم تضايقها دموعها ولا نزقها وعصبيتها التي نفّرت كل من حولها. أشد ما أحزنها هو ذلك الشعور الغريب حيال بكرها! صحيح انها ترضعه وتعتني به، لكنها لا تجد في قرارة نفسها لهفة الأمومة أو حنانها ودفئها. هل تكره وليدها؟ أرّقها السؤال، وزادت حيرتها في احساسها بالذنب حيال ما تعانيه. تذكرت انها قاومت طويلاً فكرة الزواج نظراً الى نفورها من الأمومة. وأنّى لها أن تحبّ التحول أماً؟ مذ كانت حنين طفلة والمشهد اليومي المتكرر أمام عينيها هو المعاملة القاسية، بل والفظّة، التي عامل بها والدها أمها... ربما قدمت هذه الأمثولة نموذجاً من "كآبة ما بعد الولادة" Post Partum Depression وهي من الاضطرابات النفسية الشائعة لدى الإناث، خصوصاً من يلدن للمرة الأولى. ومنعاً للالتباس، فتلك الكآبة ليست محصورة بالولادة الأولى. هل هي تأثر الجسم، بما في ذلك الجهاز العصبي ومراكز الدماغ، بالهورمونات؟ يثير الحمل زوابع من هورمونات يتدخل الدماغ في ضبطها. ويرى البعض أن مرور جسد الأنثى، للمرة الأولى في هذه الزوبعة، يقلقه تماماً. ومن المعروف أن المرض المُسَمّى "تسمم الحمل" يضرب من تحمل للمرة الأولى، بنسبة عالية. ويميل بعض الأطباء النفسانيون الى اقامة نوع من الموازاة، ويرون الى "كآبة ما بعد الولادة" من زاوية الهورمونات ويرجح جمع من الاختصاصيين تداخل عوامل اجتماعية ونفسية وبيولوجية في التسبب بهذا النوع من الكآبة. ومن المفيد التذكر ان هذا الاضطراب تدل اليه اعراض الكآبة مثل: 1 - مزاج حزين وكئيب على نحو قوي Depression. 2 - فقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة والمباهج اليومية Anhedionia. 3 - اضطراب الوظائف البيولوجية الأساسية، مثل النوم والأكل. 4 - تغيّر الوزن زيادة أو نقصاناً. 5 - ظهور أعراض جسمانية ذات منشأ نفسي مثل أوجاع العضلات والمفاصل والصداع والإمساك... الخ. 6 - احساس قوي بالوهن وفقدان الطاقة. 7 - شعور قوي بالذنب. 8 - سيطرة أفكار كئيبة ومخيفة، وتوقع الأسوأ دائماً. 9 - التفكير المتّصل بدنو الأجل. 10 - التفكير بالانتحار أو تنفيذه. 11 - "النرفزة" والتوتر.