بنغلادش لديها ما تعلمنا اياه. 132 مليون نسمة يقطنون مساحة 55598 ميل مربع: من أعلى بلدان العالم كثافة. من أفقرها بالتالي. ثلث السكان دون خط الفقر. متوسط الحياة 60 عاماً. الأسباب كثيرة: نقص في الاستثمار وفي المشاريع. بيروقراطية وجمود. فساد متوارث. عجز القطاع الزراعي عن استيعاب طالبي العمل الكثيرين. قلة الموانىء بما يعيق تطوير الخدمات، علماً أن نصف الدخل الوطني منها. وهناك الأسباب الطبيعية من أعاصير وفيضانات. من النتائج: عدم دخول الطور التقني ولو استهلاكاً. تجليات ذلك، بحسب أرقام العام 2000: 283 الف تليفون محمول فقط، ولا أكثر من 30 الف مستخدم للانترنت. مع هذا لم تظهر مخاوف من "شارع" بنغالي. لم تظهر تهديدات. لا "قاعدة" ولا أسامة بن لادن. توماس فريدمان حاول الاجابة عن السؤال فقال إنها الديموقراطية. نعم. لكن الجواب غير كاف. على الأرجح هناك سبب آخر له دوره. بل له دوره في جعل البلد يأخذ بالديموقراطية. بنغلادش هي "باكستانالشرقية" حتى 1971، اي انها ظلت منذ الاستقلال في 1947 جزءاً من باكستان، ولو فصلتها عن شطرها الغربي مسافة 1100 ميل تقع في الأراضي الهندية. في 1971، وبقيادة مجيب الرحمن، نالت استقلالها بحرب دعمتها فيها الهند. الحرب كانت شرسة ودامية، لم تُعرف بقتلاها فحسب، بل عُرفت أيضاً بأعمال الاغتصاب الكثيرة. والاغتصاب أعلى درجات القطع مع الآخر: انه زرع الحرب في الجسم. في الصلب. توريث العداء للمستقبل. تأبيده على هذا النحو. هذا كله، بطبيعة الحال، بشع جداً. لكنه جعل الوعي السياسي لبنغلادش يتطور في موازاة انقسام المؤمنين بدين واحد. ولأن "العدو" لم يكن ابن الدين الآخر، فُتح الباب لمجتمع سياسي مستقل عن الدين. والدين، كما نعرف، أساس نشأة باكستان بشطريها في 1947. الباب فُتح أيضاً لشيء آخر: تطوير هوية متعددة الأبعاد ورحبة. هكذا تعايش الاسلام البنغالي مع النتاجات الثقافية غير المسلمة للغة البنغالية. والنتاجات هذه وراءها بنغال الغرب، أي بنغال الهند الهندوس. هؤلاء، لا سيما في مدينة كالكوتا، أشد الهنود تأثراً بالبريطانيين وأكثرهم انفتاحاً على الأفكار والأساليب الغربية. ولم يكن الشاعر العظيم رابندراناث طاغور 1861-1941، نائل نوبل في 1913، غير واحد من بارزيهم. صحيح أن البلد شهد انقلابين عسكريين، أولهما قضى على معظم عائلة مجيب الرحمن، الا أنه استقر ديموقراطياً: أجرى، منذ نشأته، 7 انتخابات عامة: نسبة معقولة جداً بمعايير العالم الثالث. والآن تترأس الحكومة، كما تترأس المعارضة، سيدتان: شيخه حسينه وازد وخالده ضيا. وفي بنغلادش أحزاب قومية واسلامية وشيوعية تسلّم كلها باللعبة البرلمانية. والبلد المحاط من معظم جهاته بالهند، تحكمه بها علاقة مصلحة بحتة لا أثر فيها للنزاع الديني العائد الى 1947: في 1997 وقّع معها معاهدة لثلاثين عاماً، لاقتسام مياه الغانج الحيوية جداً لحياة البنغاليين. لكن الخلافات بين البلدين، التي تُحل سلماً وتدريجاً، تطاول 151 موضعاً حدودياً مشتركاً... أصغرها أكبر من مزارع شبعا. درس بنغلادش يجعلنا نفكر ببلدان وجماعات كثيرة عندنا، تضيّق هويتها "الواحدة" وتضيق بها.