لا تشرب الكوكا كولا لأن اسمها يهين الاسلام والمسلمين، ولا تتسوق من سوبر ماركت "سانزبوري" لأن ملاكه من اليهود، ولأنه يتبع سياسة حرق الأسعار المخالفة للإسلام، ولا تشرب عصائر "فرج الله" لأنه لا يصح طبع اسم الجلالة على علب مصيرها القمامة، ولا تدر التلفزيون وقت بث أغاني الفيديو كليب لانها تحوي مشاهد تخالف تعاليم الاسلام، ولا تشاهد أفلام يسرا حيث العري والخلاعة، ولا تتفرج على احتفالية مصر بالألفية لأنها عامرة بالرموز الماسونية والصهيونية، وأخيراً، وليس آخراً، لا تقرأ رواية "وليمة لأعشاب البحر" لأنها تهين الله والرسول والقرآن الكريم. من دون سابق إنذار، انفتحت أبواقٌ في داخل المجتمع المصري تبث رياحاً عاتية بين الحين والآخر، قد تبلغ من القوة بحيث تقتلع اشجاراً من منبتها، لكنها إن عاجلاً أو أجلاً تخمد استعداداً لعاصفة أخرى، فهي تارة تكفر كاتباً وتطالب بالتفرقة بينه وبين زوجته وتارة تلعن فنانة، وتارة اخرى تندد بعصير أو فيلم أو أغنية. والسبب واحد: إهانة الاسلام والمسلمين. وهذه الدعوات المتلاحقة تتراوح - مثل اللحم المشوي - بين النيء، ومتوسط الطهو، والمطهو جداً. ولعل أزمة "وليمة لأعشاب البحر" كانت الأكثر نضجاً لدرجة اقتربت - أو كادت - من الاحتراق، إذ نتج عنها تجميد حزب سياسي فاعل في الساحة السياسية، وإيقاف الصحيفة الناطقة باسمه. ولكن بعضها يمر من دون ضجة تذكر، مثل نعت البعض لأغاني أم كلثوم وفريد الاطرش وعبدالحليم حافظ وغيرهم من الراحلين بالفسق والتحريض على الفجور. والبعض الآخر يلمع نجمه أياماً سرعان ما تخبو، مثل علب العصير التي ظلت تحمل اسم "فرج الله" لسنوات قبل أن يتنبه لها كاتب صحافي كبير، فشن حملة شعواء عليها نتج عنها أن اصبح فرج الله "فرجللو". ومنها ما يتسبب في إشعال فتيل يستهلك اطفاؤه الكثير من الجهد والوقت. والأمثلة كثيرة هنا، فتفاصيل الاحتفالية التي نظمتها وزارة الثقافة المصرية بالألفية الجديدة يوم 31 كانون الاول ديسمبر الماضي نعتها البعض بالرمز الى الماسونية والصهيونية. وبرهنوا على ذلك بخروج 12 شعاعاً من شمس الاحتفال، وفكرة وضع هريم ذهبي على قمة هرم خوفو. وظلت تلك الاتهامات تتداول على صفحات الجرائد لأسابيع عدة بعد بداية العام الجديد، وخفتت تدريجياً الى ان اختفت تماماً. ومن قبلها شن عدد من "الاسلاميين" حرباً شعواء وصلت الى ساحات المحاكم متهمين الممثلة يسرا بالفجور لظهورها بملابس مخلة في صورة من فيلم "طيور الظلام" طبعت على غلاف مجلة أسبوعية. وانضمت المخرجة ايناس الدغيدي قبل أشهر الى يسرا في قضية اخرى اتهمت فيها الاولى اتهامات مشابهة بسبب فيلمها "دانتيلا". وشغلت القضيتان الرأي العام ايضاً الذي انقسم الى قسمين الأول مؤيد لنظرية الفسق والفجور ومحاربة العري، والثاني اصطف أمام شبابيك تذاكر دور العرض لمشاهدة الفيلمين. وقبل أيام وصف نائب في مجلس الشعب البرلمان المصري غالبية اغاني الفيديو كليب بأنها تخالف تعاليم الاسلام، لما تحويه من "فتيات شبه عاريات وهن يتلوين". وقبل سنوات قليلة، ظهر من يؤكد أن كلمة "كوكا كولا" اذا قرئت مقلوبة أو في مراية، اضحت "لا مكة لا محمد" إلا أن هذا التأكيد مر مرور الكرام، من دون أن يؤثر سلباً على إقبال الغالبية العظمى من المصريين على هذ المشروب. إلا أن مجلة اسبوعية فجرت القضية مرة اخرى قبل ايام، وسارع مسؤولو "كوكا كولا" لتكذيب الفكرة، ووصل الامرالى حد إصدار مفتي الديار المصرية الدكتور نصر فريد واصل فتوى تبرىء ساحة كوكا كولا من التهمة. وجاءت الضجة التي أثيرت حول رواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري حيدر حيدر لتثبت انطباعاً لدى عدد من المصريين أن "موجات وصف الاشخاص والاشياء والاعمال الفنية والأدبية وغيرها بمخالفة الاسلام اصبحت ظاهرة غريبة. إلا أن الانثروبولوجي المصري الدكتور أحمد ابوزيد يرى أنها ظاهرة طبيعية "لأن العالم حالياً يموج بموجة تعصب ضد الدين واللغة، وهما أساس الهوية الثقافية، لاسيما في ظل العولمة والهيمنة". اما الخطورة في رأي ابو زيد فتكمن في أن تستغل الظاهرة سياسياً بتهييج العامة، وليس بالارشاد والتوجيه. وهو ما حدث في شأن الرواية، فعلى رغم أن الهجوم على الرواية علامة صحية تبرهن على رغبة المصريين في الدفاع عن الدين، وظاهرة صحية ايضاً ما يقوم به المثقفون المتحررون من الدفاع عن وجهة نظرهم، و"كذلك وزارة الثقافة التي تسير في الاتجاه الصحيح بنشر الرواية". ويضيف ابو زيد: "ان خروج طلاب ولا سيما طالبات الازهر بهذه الطريقة للتعبير عن معارضتهم دليل على فشل الأزهر في تنمية الوعي الديني لدى الشباب، بل إن أكثر مدرّسي الدين في المدارس الابتدائية يعلمون الصغار التزمت الديني، وهو ما يدق ناقوس الخطر". ويأخذ ابو زيد كذلك على الاعلام تقصيره في نشر الوعي الديني الصحيح. يقول: "صحيح أن البرامج الدينية تشغل مساحة زمنية كبيرة على شاشة التلفزيون، لكن ماذا عن الفحوى؟". ويعود ابو زيد الى التأكيد على أن موجات الغضب الشعبي من أن عملاً ما قد يكون مسيئاً الى الدين ظاهرة صحية، شرط الابتعاد عن الغوغائية الدينية وإعطاء الفرصة للمثقفين ليبدوا آراءهم لتنوير الشعب. عميد كلية الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور فاروق أبو زيد يتفق وأحمد أبو زيد في أن ما يحدث في المجتمع المصري ظاهرة صحية، "فهو دليل على هامش الديموقراطية الموجود لدينا، ومن ثم تصادم المصالح". ويستطرد فاروق أبو زيد شارحاً سبب صحة الظاهرة بقوله: "إن المجتمع الديموقراطي يتحمل هذه التصادمات، لكن مجتمعنا لم يصبح ديموقراطياً تماماً بعد، ولذا ما زلنا غير قادرين على تقبل الآخر. والأدهى من ذلك أن كل جناح يستدعي السلطة ضد الجناح الآخر. فنحن لا نتحاور، نريد أن نجهر برأينا على أن يقتنع به الآخرون، ولا بديل عن ذلك، المشكلة أن صوتنا أعلى مما ينبغي". ويقول أبو زيد: "إن مصر تمر بمرحلة تحول من مجتمع سلطوي اشتراكي الى ديموقراطي رأسمالي، لذا فإن كل شيء يتغير، بما في ذلك منظومة القيم السائدة، والديموقراطية ليست كلاماً حلواً فقط، لكنها اسلوب حياة في البيت والشارع والمدرسة والعمل". ويؤكد أبو زيد: "أن الصبغة الدينية شأنها شأن أي صبغة أخرى، فكل قوة في المجتمع تنظر إلى الحركات السياسية والاجتماعية من خلال مصالحها الخاصة، ولننظر مثلا إلى ما اثير حول قانون الأحوال الشخصية الجديد الخاص بالخلع، فالمرأة ترى أنها ما زالت مسلوبة الحقوق، والرجل ينظر إلى المرأة وكأنها تحاول السيطرة عليه". وينفي أبو زيد تفسير ما يحدث بأنه صراع بين الدين والمجتمع، "فالدين في المجتمع المصري له قدسيته، والمصريون بطبيعتهم متدينون جداً وعموماً الخلاف مطلوب". تعليل آخر لتلك الموجات الغاضبة يطرحه الإمام والخطيب والمدرس في وزارة الأوقاف وعضو "لجنة الدفاع عن الاسلام" التابعة للأزهر الشيخ خالد الجندي، فهو يؤكد أن ما يحدث في المجتمع المصري ما هو إلا نتيجة طبيعية لزيادة الضغوط والتراكمات على الاسلام والمسلمين. وعلى رغم تأكيده بعدم قبول نظرية المؤامرة على طول الخط، إلا أنه يؤمن بوجود مخطط واسع المدى للنيل من الاسلام والتحقير من شأنه، فالعالم "اصبح متفرغاً للاسلام بعد انهيار احدى الكتلتين العظميين، لأن الاسلام هو الخطر المقبل". ويوضح الجندي: "أن هناك أموراً يتم تحميلها أكثر مما ينبغي مثل قضية "كوكا كولا" فالشركة ليست من السذاجة حتى تضر بمصالحها وضرب مبيعاتها في العالم الاسلامي". وهو يضرب مثالاً لشركة "كنتاكي" التي تخلت عن "اللوغو" المشهور الخاص بها حين أرادت أن تفتتح فرعاً لها في مواجهة الحرم المكي. لكن الجندي يتخذ موقفاً مضاداً من اغاني فيديو كليب، فيقول: "من غير المعقول أن تحوي نساء عاريات لإثارة ودغدغة المشاعر الجنسية"، بل انه يصفهن بقطيع من الحيوانات اللاتي يتمايلن بغرض الاثارة الحسية. وعن أغاني أم كلثوم وحافظ و الاطرش وغيرهم، يقول: "لها ما لها وعليها ماعليها،.فليس مقبولاً أن نسمع كلمات مثل "هات ايديك ترتاح بلمستهم ايديا" لكن مرحباً بأغاني مثل "وُلد الهدى"، و"يا رايحين للنبي الغالي" وغيرها. ويمضي الجندي شارحاً وجهة نظره، فيقول: "ما جعل الدين إلا لإصلاح الدنيا، ولا يعقل أن نطوعه لارضاء الشعور العام. وقد ثبت تاريخياً وفكرياً ونفسياً أن الشعب المصري لا يستطيع أن يحيا من دون دين". طارق عمران 32 عاماً - حاصل على دبلوم تجارة ويعمل في مكتب أجهزة تكييف - يهوى مشاهدة أفلام نبيلة عبيد وميرفت أمين وليلى علوي ونيرمين الفقي. أما يسرا فيصفها أنها "فوق الكل". وعمران - الذي يؤدي الصلوات الخمس في وقتها، ويصوم رمضان منذ كان في السابعة من عمره - يجزم أن أزمة "كوكا كولا" مفتعلة، "حين ولدت لم يكن هناك سوى بيبسى كولا وكوكا كولا، ولم يدع أحد أن أيهما تسيء إلى الإسلام، وسأظل أشربهما مهما حدث". وعن "وليمة لأعشاب البحر" يقول إنه "سمع أن شاعراً سورياً كتب قصيدة تسيء إلى الإسلام، ورد الشاعر أن على القراء أن يقرأوها جيداً، وسيثبت لهم أنها تدافع عن الإسلام، لأن من اتهمه بالإساءة اقتطع منها أبياتاً". أما خالد عبدالنبي 36 عاماً ويعمل حارس بناية سكنية فهو يتخذ موقفاً أكثر تزمتاً فعلى رغم أنه يواظب "على صلاتي الصبح والجمعة فقط"، إلا أنه يعبر عن استيائه الشديد من نشر رواية "وليمة لأعشاب البحر" يقول: "كان يجب ألا ينشر مثل هذا العمل في الأصل". ويعلل موقفه أن "الأزهر نفسه" - يقصد طالبات وطلاب الأزهر الذين تظاهروا - "وهم متعلمون ويفهمون مثل هذه الأمور أكدوا أن حيدر حيدر أساء للإسلام". ويؤكد أنه اقلع عن شرب الكوكا كولا منذ علم أن اسمها يسيء إلى الدين. وفي انتظار شعلة جديدة تشعل فتيل أزمة أخرى، تظل يسرا "كراميلا السينما المصرية" وليلى علوي "قطتها" بإجماع الغالبية العظمى من المصريين في المدن والنجوع. وتظل أغاني "الفيدو كليب" الأعلى شعبية، والمشروبات الغازية لا سيما كوكا كولا وبيبسي كولا الاكثر رواجاً، ومعروضات كبرى محلات السوبر ماركت الاكثر مبيعاً. وتبقى القاعدة العريضة من المصريين متمسكة بأساسيات دينها، بقلوب عامرة بالإيمان، وآذان متسعة لكل ما يقال ويشاع عن الدين، والفن، والثقافة، والسياسة، والاقتصاد، وأشياء أخرى وعقول مستوعبة لمن يقنعها بوجود من يتربص بالدين، وعزائم مهيأة للدفاع عنه بشتى السبل والوسائل.