عندما وسعت اسرائيل حدود القدس سنة 1967 استثنت من التوسعة الضواحي ذات الكثافة السكانية العالية مثل أبو ديس والعازرية، الا انها ضمت منطقة مطار قلنديا الخالية نسبياً من السكان. وعادت اسرائيل اليوم لتواجه المشكلة نفسها فسواء حصل الفلسطينيون على أبو ديس والعازرية في المرحلة القادمة، وهو ما أعلن رئيس الوزراء ايهود باراك رفضه، أو كجزء من الحل النهائي، فإن مثل هذه المناطق سيعود اليهم، لأن الحل النهائي يعني ان تتحول جميع المناطق المصنفة باء، أي إدارة فلسطينية وأمن اسرائيلي، الى مناطق ألف، أي تحت سيطرة فلسطينية كاملة. ومرة اخرى، وكما قلت أمس، اخشى ان يضيق المكان عن المادة المتاحة، فأكمل بنقاط محددة. - حاولت اسرائيل بكل طريقة ممكنة خفض عدد الفلسطينيين في القدس، بما في ذلك سحب الهويات، الا ان اجراءاتها كافة باطلة تماماً بموجب القانون الدولي، فالقانون هذا لا يجعل سكان القدس أولئك الذين كانوا فيها في الخامس من حزيران يونيو 1987 فقط، بل كل من له صلة بها، سواء كان في داخلها أو كان مسافراً والمتحدرين من هؤلاء. ثم ان المادة 49 من ميثاق جنيف عن المدنيين لسنة 1949 تمنع ترحيل المدنيين الموجودين تحت الاحتلال. وهذا يعني ان الذين رحلوا عن القدس سنة 1948 والمتحدرين منهم لهم حق العودة بشكل لا جدال فيه بموجب القانون الدولي. - اسرائيل صادرت الأراضي بعد ترحيل الناس، غير ان القانون الدولي يمنع ذلك، كما ان القرارات الدولية التي ترفض الاجراءات الاسرائيلية وتدينها لا تكاد تحصى، ومنها القرار رقم 250 لسنة 1968 الذي يدعو اسرائيل الى عدم اقامة عرض عسكري في القدس، والقرار رقم 251 الذي يأسف لاقامتها العرض، والقرار 252 لسنة 1968 الذي يعتبر جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية لاسرائيل في القدس، بما فيها مصادرة الأملاك والأراضي، اجراءات باطلة، والقرار 298 لسنة 1971 الذي كرر تقريباً القرار 252، والقرار 465 لسنة 1980 الذي دعا الى إزالة المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة، والقرار 478 لسنة 1980 الذي دعا جميع الدول الى نقل بعثاتها الديبلوماسية من القدس، واعتبر مرة اخرى اجراءاتها الإدارية والتشريعية في المدينة المقدسة باطلة ولاغية، والقرار 904 لسنة 1994 عن مذبحة الخليل الذي وصف في مقدمته القدس مرة اخرى بأنها مدينة محتلة. - الولاياتالمتحدة استعملت حق النقض الفيتو لحماية اسرائيل في الاممالمتحدة مرة بعد مرة، وتغيرت سياستها تدريجياً لتصبح مشابهة، بل ربما مماثلة، للسياسة الاسرائيلية. وهي كانت أعلنت في 14 تموز يوليو 1967 بلسان مندوبها في الولاياتالمتحدة أنها لا تعترف أبداً بأي اجراء من طرف واحد يؤثر في الوضع الدولي للقدس الشرقية والغربية، والتزم الرؤساء الاميركيون بعد ذلك بأن القدس تخضع للقرارين 242 و338، ولكن جاء بيل كلينتون فقال في آذار مارس 1994 انه يرفض الإشارة الى القدس كأرض محتلة. وكان السناتور دانيال موينهان طالب دون نجاح سنة 1984 بنقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس، وكرر المحاولة سنة 1990 فوافق مجلس الشيوخ على نقل السفارة وتبعه مجلس النواب، وكانت الغالبية في المجلسين كبيرة. وطلب مجلس الشيوخ في قرار آخر أصدر في 17 آذار مارس 1994 بأن تقاوم الولاياتالمتحدة وصف القدس في الاممالمتحدة بأنها أرض محتلة، واتخذ مجلس الشيوخ قراراً بغالبية 95 ضد أربعة، ومجلس النواب بغالبية 374 ضد 37، يطلب من الادارة نقل السفارة الاميركية الى القدس في موعد أقصاه أيار مايو 1999. ولكن القرارين سمحا للرئيس بتجاوزها لحماية "المصلحة الوطنية" وهذا ما فعل كلينتون في ايار الماضي. وأخيراً، هناك اقتراحات كثيرة لحل مشكلة القدس، وهي مشكلة فريدة من نوعها فهناك دول كثيرة لها عاصمتان، ولكن لم توجد يوماً دولتان لهما عاصمة واحدة، ومع ذلك يصعب تصور قبول الاسرائيليين بترك القدسالشرقية، كما يستحيل تصور دولة فلسطينية من دون القدس. ولا أكشف سراً كبيراً اذا قلت ان باراك طلب يوماً ان يعرف ماذا يريد أبو عمار في القدس، وأرسل هذا اليه من قال انه يريد مكتباً اذا فتح نافذته رأى منه المسجد الأقصى. ولم يعجب باراك بهذا الرد طبعاً. مع ذلك موقف الرئيس الفلسطيني ليس مجرد أمنية، ففي حين ان اسرائيل أقوى من الفلسطينيين في كل مجال، فإنه يبقى ان الفلسطينيين غالبية مطلقة في مدينتهم بعد 33 سنة من الاحتلال، وهو وضع لن يتغير بعد سنة أو عشر سنوات. لذلك لا استبعد حلاً ىبقي للاسرائيليين فيه حائط المبكى البراق والشوارع المؤدية اليه وحارة اليهود، ضمن اتفاق تمارس فيه اسرائيل السيادة اسمياً على المدينة، في حين يمارس الفلسطينيون السيادة الفعلية.