شهدت صناعة التكرير في السنوات الثلاث الاخيرة جملة تحديات فرضتها الاسواق الدولية وأثرت تأثيراً حاداً في هوامش الارباح التي كانت مصافي النفط في العالم تجنيها قبل هذه الفترة. وتأثرت عائدات المصافي السعودية، لا سيما منها ما هو مصمم للتصدير الخارجي، بالاوضاع غير المستقرة التي وسمت حركة الاسواق الدولية والاقتصادات الناشئة إبان تلك الفترة. وكان بين تلك التحديات تعرض اقتصادات دول منطقة الشرق الاقصى الى ازمات مالية ادت الى قلة طلب هذه الدول على النفط والمنتجات النفطية المكررة، في حين تمثل منطقة شرق آسيا الحصة الاكبر من صادرات السعودية من المنتجات المكررة، حيث ناهزت نسبة صادرات السعودية الى منطقة الشرق الاقصى العام الماضي 58 في المئة من اجمالي صادراتها الى العالم الخارجي. اضافة الى ذلك انشئت مصافي جديدة للنفط في دول اخرى ادى تدشين انتاجها في الاسواق الدولية الى زيادة في المنتجات المكررة المعروضة في الاسواق مما ادى الى ارتفاع حدة المنافسة والتكالب على الاسواق من قبل المصافي المصدرة. وزاد من صعوبة الوضع ان شتاء العام الماضي كان شتاء دافئاً لم يغر الموردين بزيادة الطلب على منتجات النفط، مثل الكيروسين والديزل، الامر الذي كان له الاثر السلبي الملموس على ربحية المصافي. ومع انفتاح الاسواق الدولية وعولمتها يؤكد خبراء صناعة التكرير في السعودية انه من الصعب جداً على أي مصفاة ان تصمد وتستمر في الخدمة الا اذا واكبت هذه التحولات وحققت شروط النجاح والا فإن مصيرها الاغلاق كما حدث لبعض المصافي في اوروبا، وكما يحدث حالياً من اعادة هيكلة لمعظم المصافي تشمل الدمج وتقليص النفقات وتقليص اعداد العاملين في المصافي العاملة. المسؤولون عن قطاع التكرير في "ارامكو السعودية" الشركة التي تعنى بجميع اعمال التكرير المحلية والدولية لقطاع المصافي في السعودية، تجاوبوا مع تلك التحولات وعملوا على مراجعة خطط اعمال المصافي المحلية والمشتركة في السعودية، ضمن خطوات استراتيجية من شأنها ان تحقق لصناعة التكرير في السعودية الامكانات الذاتية لمجابهة تحديات الالفية الثالثة وتعزز من مكانتها التنافسية والدولية وتزيد في ربحيتها. وفي هذا الخصوص اعلن نائب رئيس "ارامكو السعودية" لاعمال التكرير في راس تنورة السيد عبدالرحمن فهد الوهيب عن مفهوم جديد لصناعة التكرير في السعودية يواكب متطلبات الصناعة في الالفية المقبلة، ويتمثل هذا المفهوم في تحويل مصافي الزيت الحالية الى مراكز للطاقة، مشيراً الى ان المصافي الحديثة ستوفر الكثير من منتجات الزيت فضلاً عن مصادر الطاقة الاخرى مثل البخار والكهرباء والهيدروجين. ويفيد الوهيب ان هناك فرصاً كثيرة تتيحها صناعة التكرير ويتوافر فيها ما يسمى بالقيمة المضافة التي يمكن استغلالها في مجالات توليد الكهرباء والصناعات البتروكيماوية وزيوت التشحيم والمذيبات بالطرق البيولوجية وزيادة نسبة الهيدروجين في الوقود. وبدأ بالفعل تنفيذ هذه الخطوات ضمن استراتيجية الشركة التي تهدف الى تطبيق برنامج الريادة في التكرير على مستوى المصافي المحلية والدولية. اذ توشك مصفاة "ارامكو - شل" في الجبيل على الانتهاء من مشروعها الجديد لانتاج الكيروسين بالتكسير الحراري مصحوباً بتروبين غاز يتم تغذيته بالغاز الطبيعي لتدوير مولد كهربائي بطاقة 33 ميغاواط يخفض استهلاك الشركة من الطاقة الكهربائية بنسبة 50 في المئة تقريباً. وهذه تقنية حديثة تستخدم لاول مرة في العالم ومن شأنها ان تزيد في ربحية المصفاة. كما أنجزت توسعة كبيرة على مصفاة راس تنورة البالغ عمرها 53 عاما شملت ادخال وحدات جديدة واساسية وهي وحدة التكسير الهيدروجيني ووحدة لخفض اللزوجة ووحدة تهذيب مستمر للنافتا بالوسيط الكيماوي، ومن المتوقع ان تؤدي هذه الوحدات الى زيادة ارباح المصفاة الاجمالية بنحو دولارين للبرميل كما تزيد من قدرة المصفاة على تأمين كميات اضافية من المنتجات الخفيفة عالية القيمة، مثل وقود السيارات والديزل لتلبية الطلب المحلي المتزايد من دون زيادة معدل كميات الزيت الخام المستخدمة. وتم من خلال مشروع التوسعة تجهيز مصفاة رأس تنورة لتكون مستعدة لمواجهة أي تغييرات في مواصفات المنتجات علي مدى العقد المقبل بما في ذلك خطة السعودية للتحول الى استخدام وقود السيارات الخالي من الرصاص بحلول عام 2001، ضمن استراتيجية الشركة لانتاج الوقود النظيف الذي لا يضر بالبيئة، وتبذل الشركة جهوداً اضافية لخفض مستوى الكبريت في البنزين ووقود الديزل. واعتمدت مصافي السعودية في استراتيجيتها لمجابهة تحديات صناعة التكرير خلال القرن المقبل على تحديث تقنياتها وتبني آخر ما توصلت اليه تقنيات التكرير التي تملك خاصية انتاج المواد الخفيفة الاعلى ربحية والاكثر طلباً في الاسواق مع الاقتصار على التقنية غير المضرة بالبيئة التي تكفل تقليل الانبعاثات الغازية وملوثات البيئة نتيجة عمليات التصنيع، اضافة الى امكان تكاملها مع تقنيات اخرى لها خواص انتاج مواد ذات مواصفات معينة حسب طلب السوق، وتكاملها مع مصانع انتاج البتروكيماويات. كما دعت هذه الاستراتيجية الى توسيع نطاق تقنية المعلومات الذي يشمل اجهزة الكومبيوتر المستخدمة في اعمال المصافي والاتصالات ونشاطات نظم المكاتب وبرامج الانظمة المدمجة للاعمال التي تشمل الانظمة والتطبيقات ومنتجات البرامج الخاصة بعمليات معالجة البيانات ومهام انظمة مراقبة العمليات. ويعتبر نظام "ساب" لدمج الاعمال الذي بدأت مصافي البتروكيماويات السعودية تطبيقه من اكثر تقنيات وحدات الارتباط الشبكي استخداماً في تطبيقات الكومبيوتر في العالم، وهو يعمل على زيادة امكانات تنفيذ المهام وكفاءتها بأقل تكلفة. ومما يدعم مستقبل صناعة التكرير في السعودية وصمودها في وجه التقلبات والتحديات الموضوعية كونها تتمتع بميزات تنافسية لا تتوافر لمنافسيها في الخارج، ومنها وجود الزيت الخام بأنواعه بكميات متوافرة بالقرب من مصافي التكرير عن طريق انابيب تمتد من مصبات النفط الى خزانات التخزين في هذه المنشآت، الامر الذي يقلل على هذه المصافي تكاليف التشغيل والانتاج ويزيد في قوتها التنافسية وهوامش ارباحها الصافية، اضافة الى تمتعها بمواقع جغرافية استراتيجية على الخليج العربي والبحر الاحمر. ولا تزال مراقبة تقلبات الاسواق والتحولات الدولية واستشراف الاوضاع المستقبلية لاعمال التكرير تجري بدقة من قبل المسؤولين والشركاء في تلك المصافي ، ويتم بناءً عليه مراجعة خطط الاعمال لتحسين كفاءة الاداء ومواكبة اشتراطات النجاح واستحقاقاته في الالفية الثالثة.