الصف يزداد طولاً أمام معرض جائزة "تيرنر". ما يقدمه الفنانون المرشحون من أعمال وراء الباب الابيض يحدث ضجة في مثل هذا الوقت من كل سنة. يمر حارس مستعرضاً الصف، وهو يقول: "سيتطلب الوقوف ساعة تقريباً ليصل دور الدخول". ينظر الناس في الساعات، لكنهم يواصلون الانتظار في هدوء لمشاهدة معروضات أكبر جائزة للفن الحديث في أوروبا، وهي غالباً ما تعيد النقاش: ما هو الفن الذي صار محيراً مثل السؤال عن الوجود؟ أول ما تتعرض له العين من مناظر هو سرير وسط غرفة بيضاء بأغطية وسخة مع وسادة ممزقة... انه السرير الذي قضت فيه تريسي أمين أسبوعاً تفكر في الانتحار. فلماذا لا يتحول إلى قطعة فنية جذابة في "تيت غاليري" أهم متحف للفن الحديث في أوروبا. تحيط بالسرير قطع من ثياب داخلية وغيرها تعبر عن حال من الاحباط وعدم الرغبة في القيام بأي مجهود لتنظيف المكان. تريسي، القبرصية الأصل، شهيرة بين فناني الجيل الجديد باتخاذ حياتها ومشاكلها الشخصية منبعاً للأعمال الفنية التي تقدمها. ففي المعرض رسائل شخصية وكلمات فيها احراج. بل وهناك مقالة في صحيفة اسبوعية تنتقدها للخلط بين الفن والحياة الخاصة، فوضعتها الفنانة في إطار على الجدار المواجه للسرير. وفي الغرفة المجاورة جلس شبان يتفرجون على فيلم تتحدث فيه الفنانة عن آلام ذكرى اغتصاب في طفولتها وكذلك عن تجربة إجهاض مؤلمة. الاعترافات مادة متداولة في الفن. وما أثار النقاد في أعمال تريسي أن المنبع الذي كان يستمد منه الفنانون زاداً لتوسيع دائرة التعبير و المشاركة وصل الى هذا المستوى. إلا أن هناك من يشير إلى أن توسيع الدائرة الفنية لا يأتي من دون شجاعة لتخطي أشلاء القوالب المعتادة. ويذكرنا سيمون ولسون من "تيت غاليري" بما حدث لمدارس فنية مثل الانطباعية والتكعيبية قبل ان تحقق وجوداً وتنتزع اعترافاً. يذكرنا هذا الكلام بالتحول عن السرير الذي يتحلق حوله جمهور غفير كأنهم لم يروا شبيهاً له من قبل. الجدران بيضاء، فليست هناك لوحات معلقة في هذا المعرض أبداً. كأن الرسم صار تقليعة قديمة، على الاقل عند أغلبية الفنانين الشباب. فهذا ستيف ماكوين يقدم أفلام فيديو. نراه في احدها يقف جامداً امام كوخ خشبي يتحطم وراءه في لقطات مدمجة طبعاً. وفي صورة أخرى نرى بالوناً يطير في الجو حاملاً آلة تسجيل يصدر منها إيقاع رقص. يقدم ستيفن بيبين طريقة اخرى للنظر الى آلة غسيل الثياب، فقد وضع جهاز تصوير داخلها. وهكذا خرج الفنان بعدد من اللقطات السوريالية المعتمة التي لا تحمل أي مفاجأة، بالمقارنة الى المجهود التقني المبذول. في حين نجد التوأمتين جين ولويز ولسون تعرضان فيلماً ولقطات يظهر فيها كازينو شهير في لاس فيغاس خالياً من الزبائن والناس. واحد من هؤلاء العارضين سيفوز بمبلغ 20 ألف جنيه عندما تعلن الجائزة في نهاية الشهر المقبل. الجائزة تهدف إلى توسيع دائرة الفن. والمتحف الذي يشرف على تنظيمها ليس بريئا تماما من "صناعة" الضجة باختيار انواع الفن التي تثير خلافات شديدة: المعروضات صارت هي التأثير والنقاش والخلاف... قبل أن يصل الصف الى نهايته، اضطر الحراس الى اغلاق المعرض، بعدما حاول رسام مغمور جذب الاهتمام إلى نفسه فقام بعرض "فني" آخر حين عبث بالسرير ونام عليه.