من انطاليا بعد اسطنبول، تذيع أنقرة وقائع مداولات الناشطين والمعارضين للنظام السوري... هي التي كانت عرّاباً لانفتاح الغرب على أبوابه ونوافذه ورئتيه. تغيَّر الزمن، تركيا «العدالة والتنمية» التي نسيت معها دمشق حقبات صعبة بل مريرة من علاقات الريبة، باتت عرّاباً ل «خريطة طريق» تضعها المعارضة السورية، وبعضها لا يرى احتمالاً للإصلاح من داخل النظام. العفو العام الرئاسي صدر في دمشق قبل ساعات من التئام عقد المعارضين في كنف العرّاب التركي الذي لم ينفض يديه بعد، من الرهان على إمكان تبدل الرياح «الأمنية»، وعلى وطأة الإلحاح في النصائح ممن يعتبر ذاته «شقيقاً أكبر»، ما دامت له حظوة الحدود الأطول مع سورية. بعض من جلس حول طاولة أنطاليا، وبرعاية مبطّنة من العرّاب أعطى ما يكفي من الإشارات الى ان الزمن الذي تغيّر، لم يعد قابلاً لإعادة ضبط إيقاعه على ساعة «الحوار الوطني» الحكومي في دمشق. بعضهم ممن لم تستوقفه كثيراً «الريبة» إزاء دوافع الحاضنة التركية لمعارضي الحكم السوري وحلّه الأمني، لم يتخلّ بعد عن السؤال الكبير الذي لم يتبدل: هل النظام قادر على تغيير جِلده؟... ولو برعاية أنقرة. بداهة، لا تغيب وراء الصورة المأسوية للأوضاع في سورية، حقيقة أن الغرب الذي فوّض إلى أوروبا مهمة رأس الحربة في تدويل حقوق الإنسان العربي، لم يبلغ بعد مرحلة نعي شرعية النظام في دمشق، لأن الخيار ما زال يتبنى احتمال قدرة الرئيس بشار الأسد على قيادة التحول الى الديموقراطية. هل يغيّر النظام جِلده، ويتحكم بفارق التوقيت بين عصر الحزب الواحد وهضم حقوق المواطنة، وبين عهد التحول الى الاعتراف بإنسانية شعب وحريته؟ هل اكتفى الحل الأمني بالضحايا والشهداء الذين سقطوا، لإطلاق ورشة الحوار الملطخ بدماء حمزة الخطيب وسواه من المدنيين والعسكريين؟ ألم يكن أجدى، أقل الأثمان لتحصين عملية التحول بحوار مبكر، لئلا يبدو منّةً من أجهزة عصر الحزب الحاكم بعد عمليات «تأديب» لكل من نزل الى الشارع، ولو كان طفلاً أو امرأة؟ تغيّر الزمن، ولكن في كل مكان من المنطقة العربية، ما زالت شعوب التغيير وأوطانها على سيف وحدّيه: أنظمة تستدرك عقارب الساعة فتنقذ الجميع، وتقدم تنازلات اعترافاً بأن المستحيل الذي صَمَد ودفن التاريخ العربي عقوداً طويلة، بات مستحيلاً... وأنظمة «أساطير» لا تعرف في تدمير أوطانها وذبح شعوبها سوى حكايات «بطولة»، في مواجهة «الإمبرياليين» و «الإرهابيين المخرّبين». حتى الآن، الحالة الأولى نادرة، خجولة، متلعثمة تخشى ما بعد التنازل، وأما أنظمة «الأساطير» فحكايتها مع «الخوارق» كقصة العقيد الذي تأبى وطنيته ان يغادر الجماهيرية ولو بقي فيها طفل ليبي... إنه البطل القائد للجثث، لذلك يستعد الحلف الأطلسي لصيف طويل. وأما عقيد اليمن فكان متسامحاً مع الزمن، راهن عليه طويلاً لعل «التعقل» يغلب لدى المعارضين وجميعهم «عصابات» تحسده. وحين نفد الوقت وجهت مدفعية أنصاره رسالة الى كل من يهمه الأمر، عن الخط الأحمر الوحيد الذي لن يكون سوى «شرعية» العقيد... دونها تحوّل ساكنو ساحة التغيير في تعز شهداء ولكن ل «عصابات» المحرّضين! «شجاعة» النظام اليمني أنه لا يهاب المنازلة، «عليَّ وعلى أعدائي»... صحيح ان الفوارق كبيرة بين تحدي باب العزيزية طائرات «الأطلسي» وتحدي الحرس الجمهوري في صنعاء منزل زعيم قبيلة حاشد صادق عبدالله الأحمر، أو خيم الشباب والأطفال الذين استشهدوا في مجزرة تعز، لكن الصحيح ايضاً ان النظام الذي أدمن «الأبوّة» يقتاد المعارضة والجيش والقبائل الى نفق تقاتل لن يرحم وطناً ولا شيخاً ولا طفلاً. في زمن الانتفاضات والثورات العربية، لا يزهر الياسمين وحده، والتاريخ شاهد. وإن كانت شهادة حكّام بالمعارضة مطعوناً فيها بداء شهوة السلطة والانتقام الغرائزي فشهود الزور - كالعميان - هم الذين لا يرون اليوم ان الشهداء من أطفال العرب، باتوا أول الأبطال في كل ساحات التغيير والأمل. هل يغيّر نظام عربي جِلده؟ ضمائرنا هل تستحق الجَلْدَ فقط بعد استشهاد حمزة الخطيب، أم ما هو أكثر بكثير مما استحقت لدى استشهاد محمد الدرّة؟