لم ألتقِ الإعلامية مي شدياق سوى مرّة واحدة، في المنامة وليس في بيروت. كانت وزارة الإعلام في البحرين قد دعت قبل أقل من عام جمعاً من أهل الصحافة والإعلام، احتفالاً بمنحها جائزة «حرية الكلمة» للصحافة المكتوبة في دورتها الأولى، وأرفقت الاحتفال بندوات عدّة شارك فيها بعض المدعوين. بدت مي شدياق كعادتها نجمة الاحتفال، مع أنّها كانت بمثابة ضيف إعلامي. وشاركت في معظم الندوات، وكانت لها مداخلات مهمّة نمّت عن سعة ثقافتها الإعلامية وعمق نظرتها، وجرأتها التي لم تزدها «مأساتها» إلا احتداماً. في تلك الندوات اكتشفت مي شدياق الإنسانة عن قرب. هذه السيدة القديرة التي استطاعت أن تتحدى الجريمة وأن تنتصر عليها وعلى القتلة الذين وراءها، بدت غاية في الرقة، على خلاف ما قد يظنّ المشاهد الذي يتابعها على الشاشة. لكنّ رقتها لا تعني ضعفاً في الشخصية أو وضاعة. بل هي قادرة على الجمع بين القوة والرهافة، بين الوقار والطيبة، بين الشموخ والتواضع. وهذه الصفات لطالما رافقتها منذ إطلالتها التلفزيونية الأولى في برامج الحوار، المفتوحة أمام الآراء المختلفة حتى التناقض في أحيان. وكانت غالباً ما تؤدي دور المحاور أو الحكم، انطلاقاً من موقعها السياسي ومواقفها الثابتة. وهي لها كلّ الحرية في التزام خط ما أو فكر سياسي معيّن. حتى الذين كانوا يختلفون معها في السياسة كانوا يقدّرون فيها هذا الانفتاح الذي لم يكن مفتعلاً أو مصطنعاً مقدار ما كان نابعاً من إيمانها بضرورة الاختلاف شرط ألا يستحيل - الاختلاف - حافزاً على إلغاء الآخر وإسكاته. لكنّ مي شدياق لم تنج من حقد الحاقدين وغدر القتلة الذين لا يؤمنون بالحوار ولا بالاختلاف ولا بالكلمة نفسها، فحاولوا اغتيالها وفشلوا، لكنها حتماً دفعت غالياً ثمن نجاتها وإصرارها على الحياة والحرية. وأذكر كم أننا فرحنا عندما أطلّت مي للمرّة الأولى بعد الحادثة، ناهضة من فراشها وراحت تحرك يدها لتقول لجمهورها أنها انتصرت على الموت وعلى المجرمين الذين خسئوا ولم يحققوا أمنيتهم كما فعلوا مع زميليها في الصحافة سمير قصير وجبران تويني. قبل أيام قليلة شاهدت مي شدياق على الشاشة الصغيرة، لكنها هذه المرّة كانت في موقع «المتّهمة» (يا للمفارقة) وقد خرجت للتو من المحكمة بعدما استمع إليها قاضٍ لبناني في شكوى قدّمها ضدّها محام يدعى مالك جميل السيد. إلا أن مي كعادتها أيضاً، بدت قويّة، شامخة ولم تتوان عن السخرية... من هذا «القدر» اللبناني. ووزّعت بياناً في القضية، أشد قوّة من كلامها على الشاشة، وفيه دحضت التهمة السياسية الموجهة إليها، بجرأة وواقعية. ولو كان لي أن أقول علانية: دعوا مي شدياق! حلّوا عنها. ألا تكفيها مأساتها وآلامها، لقلت هذا الكلام. لكنني أعلم أن مي لن ترضى عنه، لأنها امرأة معاندة ومناضلة، لا تخشى حملات الترهيب ولا تستسلم لحظة. هذه امرأة مجبولة بالقوة والشموخ، كما بالرقة والطيبة.