لايختلف مفهوم الدولة عن باقي المفاهيم الفكرية او العقدية او الفلسفية او الاجتماعية التي تكون عبارة عن : ( تصورات يصيغها الانسان في حياته الاجتماعية ، لتقوم دلالاتها اللغوية الفكرية ، بوظيفة صناعة الصلة والاتصال فيما بين الانسان وعالم غيبياته العقدية اوالانسان وعالمه الفكري او السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي او الطبيعي .. وغير ذالك ). واذا ما ادركنا وفهمنا ان موضوعة صناعة المفاهيم الفكرية لدى الانسان هي عملية الهدف والغاية منها ( الاتصال ) المباشر ، وغير المباشر بين الانسان ومحيطه الداخلي النفسي والخارجي الاجتماعي فسيكون من السهل علينا بعد ذالك ادراك ان هذه العملية في صياغة المفاهيم الانسانية خاضعة ايضا لعملية التغير والتطور والتحول.. التي تطرأ تاريخيا ومكانيا وزمانيا على حياتنا الاجتماعية والفكرية وما يحيط بها من مفردات متعددة ومتنوعة الوجود تؤثر بدورها في تطور هذه المفاهيم . اي اننا ، عندما نتحدث عن (مفهوم الاقتصاد) في الفكر الانساني (مثلا) فان فكرنا لاريب سيلحظ ويناقش بدقة(تاريخ) تقلبات وتغيرات هذه العملية الاقتصادية منذ نشأتها الاولى وكيفية هذه النشأة وعلاقتها بالمفاهيم الانسانية الاخرى كصناعة الكتابة، والى تبدلاتها النوعية في دخول فكرة النقد بدلا من التبادل السلعي البدائي في العمليات التجارية وحتى وصول وتطور المفهوم الاقتصادي اليوم الى ما يسمى ( اقتصاديات ما بعد الصناعة ) او العصر الصناعي في اقتصاد المعرفة الخفيفة . وهكذا ايضا في مفهوم الدولة ، وما طرأ على هذه الدولة من تطورات في النشأة والكيفية وفي باقي المحيط الاجتماعي الانساني الاقتصادي والفكري الذي احاط بالدولة ومفهومها وأثر وتأثر بمشروع مسيرتها التاريخية ..... وحتى الوصول اليوم الى (مفهوم الدولة ما بعدالمجتمع الصناعي والحداثي ) الذي اخذت الدولة تتشكل من خلال مفاهيم عصرية حديثة ربما لاعلاقة لها بما مضى من مفاهيم ودلالات فكرية كانت هي التي تحدد مفهوم الدولة فيما مضى من تاريخ . نعم بقت المفاهيم تحمل نفس المفردات اللغوية منذ عصر النشأة حتى اليوم لكن دلالات هذه المفردات ومعانيها ومضامينها ومنعكساتها ..... والرؤية الانسانية لها قد اختلفت وتنوعت بشكل يتساوق مع تطورات حياة الانسان وتشعبات وتعقيدات حياته الاجتماعية والفكرية والسياسية .... بمستجداتها التي تتطور مع الزمن وتزداد مع التاريخ. وعليه ومن هذا المنطلق يمكننا القول : ان مفهوم الدولة ، كغيره من باقي المفاهيم الانسانية التي ابتكرت هذا المفهوم بدايةً ليعبرعن ظاهرة اجتماعية قامت في المجتمع الانساني تحت وطأة حاجة المستجد الاجتماعي السياسي القديم . ثم ما ان لبث مفهوم الدولة في الشروع والحركة والتطور.... ( الدلالي والمعنوي ، والتصوري الفكري تبعا لحركة الاجتماع السياسية وتطوراتها الاقتصادية ، والاجتماعية الواقعية الخارجية ) حتى وصوله الى مرحلة التغيير والتكامل والتطور الانسانية التي تعود هي بدورها لتطور من مفهوم الدولة وتضفي عليه ابعادا جديدا ، ودلالات منسجمة مع الانسان وتغيراته وتطوراته التاريخية . وربما بدأ مفهوم الدولة على انقاض(مفهوم القبيلة والعشيرة) ، كما يذهب اليه كثير من المنظرين الفلسفيين والفكريين القدماء والمحدثين ايضا ليكون تعبيرا عن نظام سياسي قادرعلى استيعاب التنوع الاجتماعي الاكبر حجما من دائرة القبلية وافكارها السياسية المحدودة ، وذات النمط النَسبي المعتمد على وحدة الدم والاب الاكبر ، كمرجعية لفكر القبيلة وتصوراتها السياسية . وهكذا بدأ تاريخيا مفهوم الدولة يأخذ شكله التقليدي في نظام الحكم السياسي الذي هو خطوة متطورة من نظام الحكم القبلي السياسي المحدود تاريخيا ، وبعد ذالك اخذ مفهوم الدولة يتشعب فكريا ، ويتطور اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ... بل واضيف الى هذه التشعبات والتطورات الفكرية والنوعية لمفهوم الدولة بعدٌ اثار الكثير من التساؤلات ، والابحاث الانسانية الفكرية حول مفهوم الدولة ، الا وهو مفهوم ( وظيفة الدولة ) . والحقيقة ان هذا المنعطف الفكري الانساني نحومفهوم الدولة وتطوره يمكن اعتباره من اهم المنعطفات الفكرية الانسانية الفلسفية السياسية والاجتماعية على الاطلاق الذي دفع مفهوم الدولة ، وتطوراته الى ان ينتقل الى الضفة الاخرى من ثورية الفكر السياسي الحديث حول الدولة ، وتشعب مفاهيمها الفكرية . في السابق كان مفهوم الدولة في اقصى تطوراته الاجتماعية او الاقتصادية او السياسية لايتجاوز كون المفهوم معبرا عن ادارة الاجتماع الانساني من خلال (القوة والقدرة) مع بعض التطعيمات الفكرية ، التي تطالب بعدالة الدولة اوبفلسفية مشروعها او بواقعية شرعيتها، اما بعد البحث الفلسفي المعمق الذي سلط على مفهوم الدولة في القرون الوسطى الاوربية بالتحديد لاسيما بحث ( شرعية وجود الدولة ) وربط هذه الشرعية مباشرة مع حقوق الفرد والجماعة التي ترتبط الشرعية بها ولاتنفصل عنها حسب رؤية ( روسو في العقد الاجتماعي ) وحدود وظائفها الادارية السياسية والتشريعية القانونونية ... ، فان مفهوم الدولة في الفكر الانساني اخذ ينحو مناحي جديدة تماما ، من خلالها يمكننا ان ننظر للدولة ومفهومها المتطور على : ( ان الدولة ماهي الا مؤسسة ادارية تقوم بوظائفها السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية الداخلية والخارجية .... على اساس استمداد شرعيتها من المجتمع وعقدها المبرم معه من جهة ، وعلى اساس انها لاتنتمي لاي عنوان الاّ عنوان المواطنة الذي يساوي بين جميع افراد المجتمع بالحقوق والواجبات ) . طبعا اليوم وما بعد الحداثة والتغيرات الاقتصادية العالمية ، ودخول مفاهيم التقنية ، والاتصال بقوة على حياة البشر ، واحداث هذه التقنيات والصلات البشرية المتقاربة (نوعا جديدا) من التغيرات الفكرية والاجتماعية العالمية لايمكن الحديث عن (مفاهيم الدولة وتطوراته) في طور التنظيرات الفلسفية الكبيرة لعصور اوربا الوسيطة ، التي كانت تناضل من اجل ارساء قواعد شرعية المجتمع للدولة اوماهية وظائف هذه الدولة وحدود تدخلها في حياة المجتمع الاقتصادية او الفكرية العقدية او الاخلاقية .... وغير ذالك . بل الحديث اليوم عن (اعادة تفكيك الدولة الصناعية) وانتاج ( دولة المعرفة التقنية الخفيفة) التي تعتمد بالكل على تغييرمفهوم الدولة بالتمام وانتقاله من مفهوم (الدولة القومية) التي نهضت بعدالعصر الصناعي وعصرالاستعمار ورسم جغرافية الدول الحديثة الى مفهوم (( دولة الاتحاد )) التي تلغى فيها الكثير من ( مواصفات الدولة القومية ) ، والتنازل عن كثير من سياداتها المحلية وجغرافياتها المصطنعة وتعديل مسار اقتصادياتها الاندماجية لتكون مؤهلة للعب دور جزئي في اقتصاد كوني عام .