الهندسة المعمارية تخصص يغفل الكثير من الناس أسرارها وكينونتها، لا يدرك كثير من الناس عن هذا التخصص غير اسم الهندسة، وربما كان من هم أحسن حالا من عرفه أنه تخصص في فن الرسم الهندسي حيث تتسابق على التخصص الدول وتسعى لتمكينه وتطبيقه في الجامعات وتدعمه بالمراكز البحثية ويبذل طلابه في مختلف أنحاء العالم الجهد الكبير من أجل الخروج بهذا العلم إلى ميدان الواقع وتطبيقه والاستفادة منه بيئيا. «عكاظ» تفتح الملف الهندسة المعمارية تحظى باحترام الكثيرين ممن يدركون أهميتها، والعارفين بمدى علاقته بالحياة الحضارية وبنائها بناء صحيا، والمتتبع لهذا القسم في جامعاتنا يرى أن هناك اتجاها مغايرا لما يتجه إليه الآخرون حولنا، فلا نكاد نجد له أي مؤتمرات ترعى ولا ندوات تقام ولا ملتقيات تعقد كغيره من أقسام كليات الهندسة الأخرى. «عكاظ» نظمت ندوة استضافت فيها عددا من خريجي قسم الهندسة المعمارية ووقفت على الكثير من العوائق التي تمنع استمرار الاستفادة من خريجي هذا القسم الذين ينتهي المطاف بالكثير منهم إلى وظائف لا تناسب مؤهلاتهم التي سعوا من أجلها وكان حقا الاستفادة منها. الاستفادة من العقول المهندس المعماري عمر السادات يرى أن الهندسة المعمارية مزيج من الفنون والعلوم التي تتكامل في النهوض بالعمارة في بيئة معينة، فهي ليست فنونا محضة لا تستند على العلم فقط بل هي خليط بين العلم والفن كما أن المهندس المعماري يجمع بين عدد من التخصصات الهندسية كالجرافيكس والفن والعلوم الهندسية الأخرى التي تتماشى مع بعضها لخلق بيئة إنشائية تراعي فيها البيئة وصحتها. من جانبه، يقول المهندس حسام الكفراوي إن المجتمع اليوم لا يسعى إلى أن يستفيد من خبرات المهندس المعماري ولا أن يتم تصميم المباني بالطابع الفني الهندسي المريح، بل يتجه المجتمع في الغالب الاكتفاء ببناء المنازل بالحد الأدنى من الهندسة والتصميم، لافتا إلى أن البعض من الذين يسعون إلى الاستفادة من التخصص عادة ما يستقطبون الخبرات أو الشركات الأجنبية على حساب العقول الوطنية التي أثبتت جدارتها وفرضت نفسها. أين الأمانات؟ الكفراوي أوضح أن المجتمع يوكل المهام في التصاميم الهندسية إلى المهندس المدني الذي يكتفي بالتصميم المكرر دون الالتفات إلى المهندس المعماري الذي يرى في التصميم الهندسي أبعادا أخرى في التنسيق والترتيب، ويجمع مع ذلك الفن والذوق الذي لا يكاد يكون من اهتمامات المهندس المدني. وعلى ذات السياق، يرى المهندس خالد أن المشكلة في النظر إلى هذا التخصص وعدم الالتفات إليه تكمن في قلة الوعي وعدم دراية البعض بأسرار التخصص الذي يحل الكثير من المشاكل لدى أصحاب العمائر والبيوت وعدم الثقة في التخصص الذي يلعب دورا هاما ومحوريا في التصاميم الهندسية المعمارية، بالإضافة إلى أن بعض الجهات كالأمانات والبلديات تهمل في إلزام الناس بتصميم مخططاتهم وفق هندسة معمارية تعتمد على مهندسين معمارين بالدرجة الأولى لا مهندسين مدنيين فقط. فتح الباب على مصراعيه المهندس خالد أضاف أن المشكلة تكمن في إهمال الجهات الرسمية لهم، وقلة الوعي بمهام المهندس المعماري، بل إن قلة الوعي امتد إلى بعض الكليات الهندسية التي لا تضع الذوق الفني ضمن شروطها عند قبول الطلاب في هذا التخصص فالباب مفتوح أمام كل من يرغب في الالتحاق بهذا القسم إذا انطبقت عليه الشروط العامة كما في الكليات الأخرى. وهو ما قد يضعف المخرج كذلك. ويشدد المهندس المعماري فيصل المليح على ضرورة التفريق بين فني الديكور والفنيين في العمل الإنشائي وبين المهندس المعماري، حيث إن المهندس المعماري هو الذي يضع الأسس والضوابط العلمية التي ينطلق منها بقية المهندسين الآخرين والفنيين المعماريين، كما دعا إلى التفريق وعدم الخلط في هذا الجانب أو محاولة القفز على المهندسين المعماريين مهما كانت الخبرة لدى الآخرين، وأكد المليح على الفرق الشاسع بين ما يتعلم في الجماعات وكليات الهندسة المعمارية وبين الواقع المشاهد في المجتمع، حيث إن المخرجات من هذه الأقسام لا تدل على أن هناك استفادة من هذا التخصص على الإطلاق متسائلا عن مصير آلاف المهندسين المعماريين الذين يتخرجون من الجامعات.. كيف حال مصيرهم إذا كان المجتمع لا يأبه بهذا التخصص. مهندسون في البنوك المهندس المليح يعود ويؤكد أن الكثير من خريجي هذا القسم لا يمارسون عملهم بل ينتهي بهم المطاف إلى شغل وظائف أخرى في مواقع لا تتصل بعملهم كالتسويق والبنوك والشركات التي لا يرتبط عملهم بتخصصهم نتيجة قلة الوعي وعدم توفير الفرص الوظيفية المناسبة لهم في البلديات والأمانات، ويضيف المهندس أكرم الدربي أن من بين المفارقات في الميدان لخريجي هذا القسم هو أن المهندس يجد نفسه من حيث لا يشعر ينجرف خلف رغبات العملاء أو المجتمع نتيجة عدم الوعي بضرورة عمل التصاميم وفق رؤية قد تكون مختلفة عن ما يبحث عنه حيث أصبح المهندس المعماري بين أن يمارس مهنته أو يحقق رغبات المواطن أو العميل التي لا تتصل بتخصصه في الأصل، وبين الدربي أن المجالات الوظيفية أمام المهندس المعماري اليوم لا تكاد تكون موجودة إلا في حال واصل المهندس المعماري ممارسة مهنته من خلال المكاتب الهندسية التي يملكها كغيره من المهندسين أو الرضا بوظائف أخرى بحكم أن الأبواب موصدة أمامه. سلم الرواتب المهندس المعماري حسام الكفراوي عاد ليقول إنه بإمكان المهندس المعماري أن يقلل التكلفة الإنشائية والخسائر المادية على المواطن إذا اعتمد المواطن في تصاميمه على المهندس المعماري بخلاف الواقع اليوم الذي يعتمد فيه على الفنيين الذي لا يملكون سوى الخبرة من غير استناد على علم، مطالبا البلديات والأمانات بوضع المقاييس عند الأعمار كباقي الدول الخليجية المجاورة التي خرجت بجمال بيئي وخسائر قليلة نتيجة الاعتماد على المهندسين المعماريين بالدرجة الأولى، وأكد المهندسون المشاركون في الندوة على ضرورة التحرك في اعتماد سلم الرواتب للمهندسين أسوة بسلم الأطباء الذي اعتمد مؤخرا، وأكدوا على أن اعتماد هذا السلم سيحقق العديد من الوظائف وتحقيق الاستقرار الوظيفي للمهندسين، كما طالب المهندسون في الندوة بضرورة إلزام البلديات بتطبيق الشروط على أصحاب الرخص من مواطنين وغيرهم في البناء وهذا سيفعل بدوره طلب للمهندسين المعماريين في متابعة اللائحة وفي نفس الوقت يحصل الهدف النهائي من الجمال والتناسق المعماري.