حين تشرفت بالانضمام لأعضاء هيئة التدريس في قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز، سعدت بصحبة الأستاذ الجامعي والشاعر الأديب الدكتور عبد الرحمن بارود (رحمه الله) وأنست بنصحه حتى في صمته. حدب الدكتور عبد الرحمن بارود على طلابه منقطع النظير، يلقاهم كما يلقى زملاءه الأساتذة الجامعيين بالبشاشة والتقدير. وإذا كنت في زيارة مكتبية له ودخل طالب تراه ينهض لاستقباله قائما، ويضيفه بالحلويات التي كانت لا تغيب عن مكتبه، ويستمع له ويحاوره برقي واحترام وإصغاء، ويجود بالنصيحة له كما يجود بها لأقرب الخلص منه، حتى ليخال زائره من غير العاملين في الجامعة أنه يرعى ذا جاه أو منصب، والحقيقة أن هذا الخلق منه يحكي نبله مع الجميع على درجة واحدة. كان شعاره الذي طالما سمعته يردده كلما التقيته في الجامعة بعد السلام والتحية «أنا أحب كل الناس، أنا أحب كل المسلمين». ورأيت هذا عندما وقفنا على قبره ساعة الدفن، وأخذ بعض الشباب يستعد لنزول القبر ليوسد الدكتور عبد الرحمن في قبره يقول: إنه أبي، فيرد الآخر قائلا: إنه أبونا جميعا، رحمه الله وجعل قبره روضة من رياض الجنة. شرفت بمزاملته في تدريس مادة حركات الإصلاح للمستوى الرابع من طلاب قسم الدراسات الإسلامية والثقافة الإسلامية المستوى الرابع، وأفدت منه رحمه الله. العطاء التعليمي والدعوي كان له الأولوية في حياته وترتيب برامجه وتحديد التزاماته، توعية الشباب، سماعهم، مشاركتهم كانت بلسم حياته، لا تلقاه إلا متبسما، رغم الآهات التي تثور في داخله على وطنه السليب. وكان يتجنب الكلام لمجرد الكلام، فتراه مثلا في مجالس القسم الأكاديمية يطيل الاستماع، فإن تكلم سمعت منه رأيا ناضجا، ونصحا خالصا، وكم تعلمت من صمته، وأخذني برزانته وسعة صدره. مع موهبته الشعرية الفائقة إلا أن التعليم الجامعي، والعمل الدعوي، وحرصه على النظم الشعري الراقي المتفرد، جعلت غزارة إنتاجه الشعري أقل مما هو قادر عليه بحكم الموهبة والملكة اللغوية الفائقة. ويوم الجمعة شكا من ألم، ونقل للمستشفى، وتوفي رحمه الله صباح السبت، وما إن ذاع خبر وفاته حتى توافد إخوانه وطلابه ومحبوه للصلاة عليه عصر السبت في مسجد فلسطين في جدة، وشيع في جنازة مهيبة إلى مقبرة بني مالك رحمه الله. د. محمد بشير حداد