لدينا فساد.. جملة مفيدة، ومن فوائدها الاعتراف بالمشكلة مع الأمل في العلاج.. أنشأنا له هيئة لملاحقة أهله وتعقب آثارهم ورصد حيلهم وأساليبهم للتقليل من أضرارهم.. اخترنا لها اسما متفائلا كعادة العرب من قديم الزمان «نزاهة»؛ لأن مهمتها الحفاظ على نزاهة المجتمع، ومحاصرة هذا المرض المتلون القادر على التخفي تحت لافتات مختلفة ثمراتها ونتائجها «أكل أموال الناس بالباطل» وإفساد القيم والأخلاق والسلوك.. والهيئة بدأت بتعقب مفسدين وتقاصرت دون آخرين، حتى قال الناس إن «شجيرات الفساد وأعشابه الضعيفة» شغلتها عن الدخول إلى «الغابة»، حيث الأشجار الشامخة المتجذرة في تربته. وإذا تحقق ما يخشاه الكثيرون وسارت الهيئة في هذا الاتجاه، فقد تنتهي إلى «إدارة» لها ميزانيتها وموظفوها وتقاريرها وملفاتها ودفتر حضورها وانصرافها، فيشتغل المواظبون على الدوام بملاحقة الغائبين.. الوطن لا يريد ل«نزاهة» أن تكون كاتب تقارير ورافع شكوى وراصد أخطاء، يريدها جهازا قويا يملك الصلاحيات والأدوات التي تمكنه من أداء مهمته في بيئة اجتماعية متعاطفة مع دوره ومستعدة لمساندته ومساعدته.. وحتى لا يكون المجتمع عونا «لشياطين الفساد» على جهود الهيئة، فهو مطالب بأن يحرك كل مؤسساته وأفراده وإعلامه للاشتراك في «حملة وطنية» لمكافحة هذا «المرض المعدي»، ومطالب بمساندة فكرة إعلان أسماء المفسدين والتشهير بهم. ومعروف أنه لا أحد يريد التشهير بالمتهمين قبل الحكم عليهم، فهؤلاء أبرياء حتى تثبت إدانتهم، والتشهير بهم اعتداء يوجب معاقبة المشهر. فالمعني بالتشهير المفسد الذي ثبتت بحقه جريمة فساد.. وهناك أصوات ترى أن التشهير بالمفسد يعرض بأسرته أو قبيلته أو جهته، وهذا فيه إساءة للآخرين من الأبناء والبنات والزوجة والأهل، ويلحق الضرر بهم، فالبنات قد يصيبهن الأذى فلا يتزوجن بسبب هذا التشهير، والأولاد في المدارس والجامعات يلاحقهم الغمز واللمز. وقد تلاحقهم هذه «السبة»، فلا يرى في أيديهم مال إلا قيل: هذا مال الحرام، وإذا نجحوا في وظيفة قيل: «طبعا أبوهم مهد لهم ودفع بهم أمام آخرين أجدر منهم».. فهل هذه الأعذار رغم وجاهتها تحول دون معاقبة المفسد، وتحرم المجتمع من وسيلة ردع قوية وأسلوب «حماية» وقائية فاعلة في مجتمع لا يزال اللقب الأسري أو القبلي له تأثيره الفعال؟.. «نزاهة» هيئة لمكافحة الفساد، وهذا يعني أن مهمتها ليست ملاحقة المفسدين وكشف الفساد بعد وقوعه فقط، بل دورها العمل على الوقاية منه وتجفيف منابعه، ولها أن تتخذ من الوسائل ما يحقق أهدافها.