منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية الثالث- والذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سنوياً بالعاصمة القطرية الدوحة-، خصص يوماً كاملاً لمناقشة واقع العلاقات بين دول الخليج العربية وتركيا، وبمشاركة باحثين خليجيين وعرب وأتراك هم الأكثر عدداً على مستوى المؤتمرات المشابهة، وقد جاء تخصيص يوم كامل للعلاقات الخليحية/ التركية كدعم سياسي ومعنوي من الدولة المنظمة للحكومة التركية والتى تتعرض لأسوأ أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية منذ العام 2002م. الجلسة الأولى ناقشت «واقع العلاقات الخليجية/ التركية واتجاهاتها المستقبلية». وقد تشرفت بالمشاركة فيها وقدمت ورقة بعنوان «العلاقات الخليجية/ التركية، التحديات والآفاق» حيث ذكرت أنّ المستجدات السياسية والتي حدثت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة أعادت الدفء للعلاقات الخليجية/ التركية وخاصة العلاقات السعودية والإماراتية مع أنقرة، بعد تجاوز آثار الربيع العربي وتبعات الأزمة المصرية، وتأثير تعاظم الدور الإيراني في المنطقة وتزايد التقارب الإيراني/ الأمريكي، وشعور الطرفين الخليجي والتركي بضرورة التعاون لمواجهة التهديدات المشتركة إن لم يكن لتحقيق المصالح المشتركة. هناك مُستجدات تُميز علاقات الجانب الخليجي والتركي في الأعوام الأخيرة وهو الميل لاتباع السلوك البراغماتي «خاصة بعد مرحلة ما بعد 15 يوليو» وهو ما يختلف مع النهج الأيدلوجي والعاطفي والإعلامي والذي حكم العلاقات التركية/ الخليجية قبل 2011 وفي بعض مراحل الانتفاضات العربية. وهنا يظهر أمام الطرفين الحجم الحقيقي والقيمة السياسية للطرف الآخر، ويتضح حدود الإمكانيات والتي يمتلكها كل طرف بشكل أوضح أمام صانعي القرار الخليجي والتركي، وقد مثل تولي جيل الشباب الحكم في دول مجلس التعاون حافزا لتحقيق انجازات اقليمية وسياسية واقتصادية وهو ما قدم فرصة جديدة أمام العلاقات التركية/ الخليجية حيث ظهرت فرص لتطوير العلاقات بشكل أسرع من عهد الجيل المؤسس والذي كان يميل للتقليدية، وفي المقابل يظهر تغير الأجيال في تركيا وصعود جيل شبابي جديد لا تتواجد لديه القناعات السلبية عن العرب ومنطقة الخليج كفرصة مماثلة أمام تطوير العلاقات. من المهم القول إن دول مجلس التعاون تعتبر الوجهة الأفضل للرئيس أردوغان وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، حيث يولي الجانب التركي البعد الأمني أهمية أكبر من الدعوة للديمقراطية وحرية التعبير، ويعزز من ذلك سياسياً استمرار منظومة دول الخليج كقلب للتفاعلات العربية وهذا ما يجعل القيمة السياسية لدول المجلس تزداد تدريجياً لدى تركيا، كما أن الحاجة الاقتصادية للطرف التركي لجذب استثمارات جديدة وتصدير رأس ماله البشري وخبراته إلى منطقة الخليج والحاجة الاقتصادية لدول مجلس التعاون في تنويع اقتصادها والاستثمار في مجالات غير النفط يمنح فرص أمام تطور العلاقات الثنائية في العقد المقبل. وقد ظهرت بوادر استغلال هذه الفرصة في الأعوام الأخيرة متمثلة في التواجد الخليجي الملحوظ في القطاع المالي وقطاع العقارات في تركيا والرغبة في الاستفادة من الخبرات التركية في قطاع تكنولوجيا الدفاع والأسلحة في دول مجلس التعاون. لكن وعلى الرغم من الفرص الكبيرة والعوامل المحفزة لتسريع العلاقات الثنائية إلا أن تأثير بعض العوائق يظل قوياً ومانعا ذاتيا لتسريع تطوير العلاقات، ولعل اكبرها واغربها هو حرص القيادات السياسية في الجانبين على السيطرة الحصرية على ملف العلاقات وبشكل دائم، كما أن غياب الطابع المؤسسي «من خارج المؤسسات الحكومية» وضعف التبادل الأكاديمي والثقافي بين الطرفين يجعل العلاقات تحت رحمة التقلبات السياسية وبشكل دائم. أخيراً يظل عدم استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في تركيا أحد العوائق أمام تسريع خطط وتطوير العلاقات الخليجية/ التركية من الناحية الاقتصادية والسياحية وهو أمر يفرض على القيادة السياسية التركية التنبه له وضرورة ضمان «ثبات القوانين الخاصة بالتملك والاقامة» خاصة لمتملكي الشقق السكنية، وذلك في حال رغبت في استقبال الجديد من الاستثمارات والسياح الخليجيين.