حينما يتراكم الجهل على قيمة النفس, ويتزاحم الشتات على عمق المشاعر, وينأى عن العقل الإدراك الحقيقي بمن حولنا.. وتتبدل الأريحية، والسهولة، والمصداقية، والتواضع إلى الصلافة، والعناد، والاعتداد بالرأي، والاستخفاف بالغير يكون ذلك فقدا للحس الإيماني, وضياعا لمعاني السمو الداخلي, وتبعثر السلوك القويم, واختناق الضوء. حين تلتف مفردات الاستخفاف حوله بلا شعور يسقط ذاك المستخف بنفسه أولا وبغيره ثانيا فقد حان إحباطه حين يختلب به عقله .. فتتمزق أغشية كيانه. هناك من البشر من يدعي الحق, وصحة الرأي داخله, ويخضع أمام قناعاته الخاصة رغم اقناع الآخرين له بصحة آرائهم, وأن الحق معهم, ووجود مرجعية واضحة ومعروفة للجميع. ومع اعترافه بحججهم، وبراهينهم إلا انه يبقى يكابر فيبدأ الاستخفاف بما لديهم ويحس داخله بشئ من القهر , ونوع من الهزيمة بظهور حجج الغير على حججه, وبروز براهين الغير على ما لديه فتنتج داخله ردة فعل من المكابرة، ويبقى يتأرجح بين ال (نعم) وال ( لا) فلا يعرف لنفسه رأيا معينا, ولا موقفا محددا, ولا فعلا ثابتا. إن الاستخفاف برغبات, وآراء الآخرين من خلال الاقتناع بها، ثم تهميشها ونبذها عن حيز التنفيذ ينبئ بسقوط نفسي داخلي لصاحب هذا التصرف، واشتعال حالة من الأنانية، وانتصار للنفس لا انتصار للحق. كم ممن حولنا نجدهم يهمشون أدوار غيرهم, وأفكارهم، ويجعلونهم يصدقون أنهم مقتنعون ومتفقون معهم ويُكتشف لاحقا أنهم أبعد ما يكونون عن ذلك، بل يكونون مترنحين لا يعرفون إلا ما بداخلهم, ويجهلون ماذا يقررون. يستخف بالآخر من يضع الدين جانبا حين يتعامل مع الغير، أو تحدثه بمعيار الدين يحدثك بالدنيا، ويستخف من لا يصغي جيدا للآخر , ويستخف بالآخر من يقول الآن: نعم وبعد قليل لا, ويستخف بالآخر من لا يحترم كلمته ووعده, ويستخف بالآخر من يحاول أن يخضع الغير لقوانينه الخاصة بلا حق. يستخف بالآخر من يخالف فطرة الناس, يستخف بالآخر من يحمل أنصاف المشاعر, وأرباع الأحاسيس, يستخف بالآخر من يشوح بوجهه عن حاجة الآخر، يستخف بالآخر من يعيد الكذبات, يستخف بالآخر من يتلاعب بالعواطف، ويقلب الحسابات. يستخف بالآخر من لا يتحمل مسئولية الآخر الذي قد يلتزم بشعور تجاهه, يستخف بالآخر من يجد نفسه أعلى وغيره أسفل, يستخف بالآخر من يخالف ما يقتنع به ويقتنع بما يخالفه الغير فيه, ومن يصرّح بالقول، ويكذب بالفعل مع غيره, ومن يفرض رأيه ويتجاهل برهان غيره, ومن لا يقبل مرجعية ولا هدى, ومن يقول: أنا مقتنع لكني لا أريد وتلك رغبتي، يستخف بالآخر من يخطيء ويعلم بأنه كذلك ويقول: أنا على صواب. ختام القول : الاستخفاف يصور للمرء كل شيء مقلوبا، حيث يقلب الصور والأوضاع، والأشكال، والألوان، ولا سبيل في الحقيقة إلى مآثر الفضيلة والتوقير إلا سبيلها المسلوك، ولا باب لها إلا بابها المطروق. فالمعروف يحمل الخير, والإحسان يملأ مساحة التقدير , وعزيمة الحق تدوم، وثبات الفكر عليه رشد، والإصغاء للبرهان نضج, وترويض الذات قوة، وتذكروا أن كثيرا منّا يتحمل استخفاف الآخر به من أجل ثوابت إيمان، أو لطف وإحسان, أو أخلاق كريمة, أو احترام نفسه، لذا ذاته مطمئنة.