لا يمكن لأحد مهما كان موقعه أن يخفي قلقه من تلك الأحداث التي تسارعت وتيرتها وعصفت بجغرافيا الشرق الأوسط وذلك مع بداية دخول العام الميلادي الجديد ، ومع كل خوف يأسرنا على مستقبل دول المنطقة العربية فإن قلقنا الحقيقي يجب أن يكون على الشباب العربي الذي يتكاثر بشكل غير معقول ويتواصل فيما بينه بشكل غير مسبوق، ويتعلم من بعضه بطرق تعليمية غير معهودة والكثير من الخصائص التي لم يقدم أحد على دراستها وبحثها. العالم العربي ككيانات سياسية واجتماعية يتحمل مسؤولية كبيرة في عدم فتح مراكز البحوث والدراسات لدراسة هؤلاء الشباب وخصائصهم ومتطلباتهم ، القلق الذي طاول المجتمعات العربية هو الخوف الدائم على الشباب خوف مبالغ فيه في كثير من الأحيان ولم يكن هناك أمام العالم العربي الكثير من الوقت لمعرفة تلك الخصائص لشبابه الجديد . لقد دُفع الشباب العربي خلال العقود الخمسة الماضية إلى قوالب فكرية وأيديولوجية وطلب منهم التشكل وفق هذه القوالب حماية لهم ولكن ليس حماية لعقولهم ، لقد أصبحت تنزل إلى مجتمع عربي وبمجرد ولوجك الشوارع تدرك أن الناس في الأطراف متقابلون في جهات متناظرة بين اليمين واليسار، يسير شاب أمامك وهو يطاطئ رأسه إلى الأرض معتقدا أن كل ما حوله فتنة وطريق هلاك ، ثم يسير أمامك شاب آخر رافعا رأسه ليثبت لك انه تماشى مع العصر الموجود على الطرف الآخر من العالم، وانه تجاوز كل شيء في سبيل الخروج إلى عالم مختلف عن ذلك الذي يراه في حياته. الشباب العربي وخلال عقود مضت أصبح يتصارع مع بعضه من اجل الخروج أو الدخول إلى إطار الصورة الاجتماعية التي رُسمت له بمعنى دقيق لم يصبح أمام الشاب العربي سوى صورتين تحيطان به من كل جانب فقد فرضت الحداثة أو التقليدية كصور وحيدة أمام كل شاب عربي ولكل منهم أن يختار الإطار الذي يريد أن يعيش فيه لأنه لا خيار ثالثا يمكن الذهاب اليه. لقد أصبح التصنيف جزءا من الحياة الاجتماعية، ولم تعد منطقة الحياة الاجتماعية الوسط تحظى بالكثير من السكان، وأصبح المنزل العربي يحظى بشباب يتمايزون في توجهاتهم الفكرية بشكل مخيف وهم يعيشون في منزل واحد ولهم أم وأب واحد، لقد استقدم الشباب العربي هذا التصنيف من منطقة لا تبعد كثيرا عن بيوتهم ، وهكذا أصبح المجتمع العربي والاقتصاد العربي والسياسة العربية. وخلال الخمسين سنة الماضية ظل الشباب العربي وعقليته لوحده دون مساعدة، وأصبح يتشكل وفق منظومة التصنيف والتبعية الفكرية والحزبية وغيرها ولكنه فجأة وجد نفسه أمام أسئلة كبيرة تحيط به من كل جانب. الكثير من الشباب العربي تم جره إلى الإرهاب والتطرف والتشدد حيث أصبحت الحياة منكرا بكاملها، وأصبح العيش فيها فسادا ، وفي الطرف الثاني تحولت الحياة لدى كثير من الشباب إلى متعة كاملة وفقد الشباب الطريق بين المنكر والمتعة وظل هذا المشهد مسرحا تفرجت عليه المجتمعات العربية وسياساتها كونه لم يكن يمثل عامل خطر عليها بل اعتقد الكثيرون أن هذا التمايز في اتجاهات الشباب العربي يصب في النهاية لصالح سياسات الدول وطرق عيشها وبقائها.. في السياسة كما نعلم ليس هناك ملعب دائم يمكن أن تجري عليه جميع مبارياتك السياسية وتكتفي به طول العمر، والكثير من الدول العربية نزعت إلى هذا الاعتقاد وثبتت ملعبها الدائم ونسيت ملاعب اجتماعية واقتصادية أخرى في المجتمع بل كرست ملعبا واحدا للتعامل مع المجتمعات وخاصة الشباب ، وكرست الحراسة على هذا الملعب ووصلت إلى أنها تبنت فكرة الخوف على الشباب بشكل مبالغ فيه أنتج عقولا أكثر مما هو مطلوب واقل مما ينبغي في كثير من معالم حياتها، وها نحن اليوم نحصد أزمة الخوف على الشباب بما يحدث في دول عربية عريقة. إذن يبقى السؤال ما الذي حدث ويحدث ونرى بوادره مع دخول العام 2011 في عالمنا العربي..؟ خلال العشر سنوات الماضية تطورت وسائل التواصل بين شباب العالم ، بينهم وبين بعض، وبين شباب المجتمع الواحد ذكورا وإناثا لقد بدأ الجميع يستمع إلى الآخر بعقله بعد أن كنا ولعقود طويلة ولا زال منا الكثير يعتقد أن تواصل الشباب العربي المسلم خاصة لن يخرج عن كونه تواصلا غريزيا تدفعه الغريزة وتحركه ، لذلك اكتفينا بتحريم التواصل فقهيا ولم ندرك قدرة الشباب على تجاوز هذه المرحلة إلى نوع مختلف من التواصل يقف فيه الشباب بطريقة مختلفة عما كنا نتوقعها. لقد تجاوز كثير من الشباب العربي هذا المفهوم وبدأت تتشكل مجموعات مختلفة عن تلك التي لا ترى نفسها سوى أن تكون منتمية لأحد الأطراف ، استمع الشباب لبعضهم عبر - الفيسبوك وتويتر واليوتيوب والايميل- فوجدوا نفسهم أمام أفكار جذابة وتنامت لديهم معايير التفكير وأدواته ومهارات التواصل وأشكاله ، بينما ظل الكثير يعتقد أن الشباب العربي لازال يكتب لبعضه عبر رسائل يحملها البريد التقليدي ويمكن معرفة كل محتوياتها. لقد خرج جيل التواصل متقدماً غيره من الشباب المصنف الذي أدرك بعضه الحقيقة متأخرا وراح ينضم إلى هذه الفئات ولم تستطع الأحزاب والأفكار السياسية الحزبية في مصر وتونس أن تجد لها لونا يناسبها فبقيت في الخلف تنظم وتحاول أن تعيد قراءة ما يحدث أمامها ولكن السباق كان أكثر من تحملها البقاء فيه. لقد هرولت نحو التواصل مع القيادات السياسية لتثبت أنها الوحيدة القادرة على فهم لغة الاحتجاج والتظاهر ولكن هناك نوع جديد من العقول التي تحدثت بلغة وطنية أكثر مما هو متوقع منها، هذه العقول حيرت العالم كله فالغرب لم يعد يدرك مَن هؤلاء الشباب الذين لم يحملوا لافتة تهتف ضده أو غيره إنما حملوا لافتة مرسوما عليها شيء جديد وصور مختلفة، وأدرك الكثيرون أن العالم كله ضيّع فرصة عظيمة خلال العقد الماضي تحديداً لدراسة هذا الجيل وفهمه ليس أكثر من المطلوب، ولا أقل مما ينبغي.. نقلا عن الرياض