دشن مركز التميز.. وزير البيئة: مراكز أبحاث تنمية الحياة الفطرية تعزز الاستدامة    أمير الشمالية يلتقي قائد قوة الطوارئ الخاصة ومدير منفذ جديدة عرعر    184 مليار ريال حجم التجارة الدولية بالمملكة    من التمكين الصناعي إلى التوطين.. معرض المعدات الثقيلة فبراير المقبل    «المحتوى المحلي» يصنع استقلال القرار.. ووقود للنهوض الاقتصادي    فرض رسوم جمركية أميركية 500 % على شراء النفط الروسي    أمير الجوف يبحث آليات استقطاب الاستثمارات النوعية    الإسعافات الأولية حاضرة في مساكن نجران وغائبة بجازان    الاستهلاك الاستعراضي    الخفجي وجهة سياحية ذات مقومات واعدة    حذر من الانتهاكات بفلسطين.. بيان إسلامي: رفض قاطع لاعتراف إسرائيل ب«أرض الصومال»    تحركات أمنية لضبط الأوضاع.. حلب على طريق الاستقرار.. انسحاب «قسد»    القبض على الزعيم الفنزويلي    رؤية قائد    شهداء قرب "الخط الأصفر" وقصف وتدمير واسع في غزة    من يدير لعبة النفوذ في باب المندب    مستقبل الهواتف الذكية    حين يكون الاستقرار موقفا لا شعارا    برشلونة يتغلب على ريال مدريد ويتوج بالسوبر الإسباني    الجبير وسفير مملكة تونغا يبحثان تطوير العلاقات    القيادة تهنئ سلطان عمان بذكرى توليه مقاليد الحكم في بلاده    النصر مشروع كبير ونتائج لا تُقنع    برشلونة يتوّج بكأس السوبر الإسباني في جدة    وزير الموارد البشرية يستقبل منتسبي وقف الملك عبدالله    الأحوال المتنقلة تقدم خدماتها في (13) موقعًا    "أمانة نجران" تعتمد المتطلبات التنظيمية للوحات التجارية    إغاثة الأكثر احتياجاً في 4 دول.. مساعدات إيوائية للأسر النازحة في حلب    نهاية الاختبارات بداية جديدة    اختتام التصفيات الأولية لمسابقة الملك سلمان لحفظ القرآن    «بين الواقع والخيال» يعزّز التفاعل الأدبي في مهرجان القرّاء والكتّاب    مكتبة الملك عبدالعزيز تصدر كتاباً يستدعي صورة العرب في التراث الصيني    متحف البحر الأحمر يطلق برنامجه الثقافي    بداية الإجازة.. حين تبتسم الأيام وتزدهر المدن    كن مميزا    هدوء التعب.. وحضور الذاكرة    حقائق جديدة من حقائق قديمة في السببية    تحالف ثنائي يؤسس "الصندوق الإسعافي"    النقل العام يطلق مسارًا جديدًا لحافلات مكة يربط المسجد الحرام بحي حراء الثقافي    لا تذل نفسك    392 ألف مراجع بمستشفى الملك عبدالعزيز في مكة    الحناء.. رمز التراث وجمال الهوية    الجوافة والبرتقال.. أسلحة لقهر البرد    ترشيح "عبدالله طيري" عضوًا في لجنة "تراحم" جازان    أول شروق للشمس في مورمانسك    الكوكايين الوردي يثير القلق    روبوت ذكي يغسل الأحذية ويعقمها    هاني شاكر يتحسن بعد الجراحة    الجبيل فرصة العلا للعودة    الأخضر ينشد الفوز للتأهل    تألق الأبطال في مهرجان الأمير سلطان بن عبد العزيز العالمي للجواد العربي    خطيب المسجد الحرام: سورة «ق» تبصرة وذكرى لأولي الألباب    286 ألف جولة رقابية على مساجد المدينة    أمير الشرقية يختتم زيارته للأحساء    فيصل بن نواف يرعى حفل ختام أعمال «استراتيجي تطوير الجوف»    تدار بإشراف كوادر وطنية متخصصة.. 50 برنامجاً لإكثار الكائنات المهددة ب«ثادق»    نحن شعب طويق نحن فكرة قبل أن نكون عددًا    الفريق سعيد القحطاني سيرة عطاء ومسيرة وطن    سعاد عسيري تُجسّد حب جازان لقيادتها في قصيدة وطنية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صورة المرأة في روايات فوزية السالم (1)
نشر في البلاد يوم 04 - 02 - 2011

حين الحديث عن التحول لا نعني به الدلالة المعجمية الصرفة التي تحيل الى الانتقال من مكان الى آخر، أو من موضع إلى موضع آخر، أو تحول من حال إلى آخر، بل التحول في معناه الدلالي والفني ضمن بناء الشخصية الروائية، وهذا يعني ذلك التغيير والتطور في بناء الشخصية الروائية، تبعا لنموها وفقا لمجموعة من الاعتبارات قد يراها الكاتب أو الشخصية نفسها.
إذا كانت الرواية قد أخذت منحى التعبير عن الطبيعة البشرية اقتصاديا واجتماعيا في كل زمان ومكان بواسطة الملاحظة، والتحليل، وتقديم الشخصية الروائية حاملة الواقع المعيش، أو جزءا منه، أو الماضي وما يحمله من مخزون تراثي وحضاري، أو الاستشراف نحو المقبل المجهول، نحو تلقي الآتي، نحو عالم جديد أفضل مما نحن فيه وإن كان ذلك نسبيا، أو كما يؤكد ميخائيل باختين أن الرواية هي ذلك الفضاء الذي يحتضن، ويتلقى الكثير من الجهود الانسانية والحضارية والنقدية الموجودة في المجتمع.
إن تاريخية الفن الروائي تؤكد التحولات المختلفة للرواية، وعادة نرمي بدلالة التحول إلى نوع من التقديم والتطور في البناء، أي طبعا حدثت تحولات في البناء الشكلي، وتحولات في تقنيات العمل ذاته، وتحولات في كيفية التعامل مع الشخصية الروائية ضمن مجتمع الرواية من جهة، وعلاقتها بالمجتمع الخارجي الذي يسعى الكاتب الى كشفه أو بعض منه من جهة أخرى، وكذلك تحولات في اللغة وتناول ضمائرها التي تلعب دورا في فضاء الرواية اللغوي، والرؤية الساردة أو الواصفة.
وهذا يعني أن الرواية شكل فني يبحث عن القيم الاصيلة، والكشف عن الزيف داخل البنى السوسيولويجة والسيكولوجية، إما بوضع بعض الحلول والمخارج والرؤية، أو بوضع ارهاصات البحث عن الحلول لكي يسير المجتمع وفق خطط معينة في صورة مثلى حضاريا وثقافيا، باحثة الرواية عن ذلك الضياع الانساني وغربته وصراعه في هذا الكون الفسيح مع الذات والآخر من الكائنات المادية والمعنوية، وخصوصا حين نرى الرواية تسعى الى تفعيل دور التأويل والتقويم.
يرى الآن روب غرييه ان الموضوعات في الرواية الكلاسيكية تتمتع بأهمية كبرى ضمن علاقتها بالافراد، أما الرواية الحديثة المرتبطة بالحداثة الاجتماعية والاقتصادية فتحاول كما يقول فيصل دراج «نقل العلاقات الاجتماعية بين شخصيات العمل الروائي من الواحد الى المتعدد، ومن المتجانس الى المختلف، ومن الثابت المقدس الى المتحول لا قداسة فيه».
وهكذا كانت الرواية الواقعية تعبر عن طابع عصرها والاحساس به في ضوء التجربة الفردية المتحولة نحو تجارب الآخر، تجارب المجتمع وقضاياه الحياتية المختلفة، فالرواية هي جزء من الثقافة والمعرفة، وما يقوم به الروائي هو العمل على صوغ القوالب الحياتية داخل عالم معقد متشابك من الفنية والابداع والتخيل ضمن مجموعة من العمليات التفسيرية والتحليلية والكشفية، ومجموعة من المقاربات والتحولات الفكرية والوجدانية.
وعلى رغم أن البدايات الأولى لتجربة الرواية العربية ضمن السلسلة التنويرية فإن التجارب الروائية في العالم العربي سعت منذ البداية مع رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل الى عملية بحث مستمر رغبة في كشف ذلك الواقع المجهول في حياة الانسان العربي، ذلك الواقع الذي لم ندركه إلا من خلال العادات والتقاليد فقط، من دون الاحساس بالقيمة الانسانية والفنية.
لقد أعطت هذه البداية الكتاب والروائيين الفرصة لرفض الثوابت والقوالب الجاهزة الجامدة في السرد، وهذا ما سنلاحظه عند فوزية شويش السالم، كما اعطتهم الرواية العربية أملا في صوغ مشروع تحرري من كل القيود البالية سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم ثقافية أم اقتصادية لذلك جاءت الرواية العربية منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، وهي مشروع يعانق الطموحات التحررية الابداعية، ذلك المشروع الذي بات حقلا ثقافيا ومعرفيا، وليس روائيا فقط.
سعت الكاتبة فوزية شويش السالم في رواياتها الثلاث «الشمس مذبوحة والليل محبوس» 1997، و«النواخذة» 1998 و«مزون وردة الصحراء» 2000، الى فضح واقع المرأة العربية، وخصوصا المرأة الخليجية، ذلك الواقع المكبل بعادات وتقاليد الذي اصبح سجنا مقيتا سجنت فيه المرأة وقيدها بقيد الخوف، وسلاسل التردد، وحلزونية الانصياع، وعدم اعلان الرأي الخاص بالمرأة أمام الأسرة والمجتمع.
من هنا برز واقع جديد في عملها الروائي، واقع غير عادي تجاه المرأة، واقع لعب دورا مؤثرا في تفكير الكاتبة من جهة بوصفها مبدعة ترى واقعا غير مرئي للآخر، وفي المرأة الخليجية من جهة أخرى بوصفها نتاج أعراف مجتمعية لابد من قراءتها وتصنيفها، ثم غربلتها وتعديلها، وهذا ما وضح في روايتي «النواخذة» و«مزون وردة الصحراء» إذ وجدت عالما عربيا ينبغي محاربة عاداته وتقاليده، ما تؤكد هذه التجارب الروائية مقولة آلان روب عن الرواية القائلة: ان البحث عن واقع لن يوجد إلا بعد الانتهاء من الكتابة.
وبما أن الكاتبة تعتمد في سردياتها على التراث الخليجي جغرافيا وتاريخيا واجتماعيا واقتصاديا، فهل يعني أن التراث بكل ما يحمل من عناصر رئيسية، مثل: الدين والثقافة المورفولوجيا، يمكنها من أخذ مادتها السردية لكي ترسم مخططها الروائي وشخصياتها الروائية؟ وهل الكاتبة تأخذ هذه المادة لتكون دافعا للبحث والتأصيل في العمل السردي؟ أم هي قيد يحاصرها؟ بمعنى أين موقع الكاتبة ومادتها السردية والثقافية والمعرفية من نسيج هذا التراث حين تحفر في سياقاتنا التراثية وعاداتنا المجتمعية؟
كل مجتمع يسعى الى التطور ويحلم بالتحديث يرتبط بالعالم ويتفاعل معه اجتماعيا واقتصاديا وتكنولوجيا، يصاب بعدوى التأثر سواء أكان هذا التأثير سلبا أم ايجابا، والمجتمع الخليجي العربي اصيب بهذا التأثر منذ الاتصال التبشيري والثقافي مع الغرب من جهة والشرق من جهة أخرى، وتحديدا منذ بداية القرن العشرين، وما بدء التعليم في هذه المنطقة من العالم العربي إلا نتيجة هذا الاتصال.
وبما أن التواصل وعملية الاتصال لم تقتصر على التعليم فحسب، بل تعدت الى الكثير من المجالات الحياتية الأخرى، فقد استوعبها المبدع الخليجي، وراح يأخذ من روافد هذا الاتصال المتعددة لتشييد بنائه الابداعي.
تعرض واقع المرأة في منطقة الخليج العربية بحكم الاتصال والتواصل مع الحضارات الأخرى لتحولات وتغيرات وتبدلات واضحة، وخصوصا في الربع الأخير من القرن العشرين، كما أن التطور الاقتصادي والكم الهائل من عائدات النفط لعبا دورا فاعلا في هذه التحولات، فبات للمرأة دور في اتخاذ قرارها المصيري التعليمي أو الحياتي أو الوظيفي أو المتعلق بالزواج وتكوين أسرة نووية وغيرها من الأمور، ولكن تبقى أسلحة العرف الاجتماعي تخرج من اغمدتها بين الحين والآخر لتفرض على المرأة أسلوبا حياتيا آخر غير الذي ترتضيه أسلوبا مغلفا ببعض المفاهيم السائدة.
لذلك تعاملت الكاتبة فوزية شويش السالم في رواياتها الثلاث وفق البناء الذي رسمته لشخصياتها الروائية الانثوية تجاه المجتمع والتحولات الحادثة فيه تعاملا يفضح الترسبات الراكدة، ويكشف عن نوع التفاعل السلبي الكائن بين أفراد الاسرة الواحدة، لما لهذه الشخصيات من مواقف سلبية تجعلها تتصف بالضعف والدونية أحيانا والقدرة على التطويع والنمو والتطوير احيانا أخرى، وهذا يعني ان الكاتبة تؤكد مقولة تزفيتان تودوروف القائلة: ان الشخصية الروائية في العمل السردي ذات طبيعة مطاطية، تخضع للكثير من المقولات والحوادث والتغيرات، لذلك لم تستقر على طبيعة واحدة معينة، وهذا يعني أن الكتابة الروائية عند فوزية شويش السالم هي شهادة في الزمنين الماضي والمستقبل.كانت العلاقة بين الشخصيات في السابق مبنية على الخرافات والفروسية والبطولات الخارقة، لما لها من وقع في تحقيق الذات والانتصارات في الحروب والمعارك الحربية، والتخلص من المواقف الحرجة بشيء من الخيال وفنية في زرع الخرافة. غير ان العمل السردي نفسه بدأ في التحول حين أخذت الرواية تستقي مادتها الروائية من تلك العلاقات الشعبية وظروف الطبقات الكادحة لتبرز المعاناة الانسانية من ظلم الاقطاع، كما لعبت البرجوازية والرأسمالية فعلها فيما بعد في نمو الرواية فنيا وتقنيا، إذ كان للمدينة والتمدين فعل واضح في رؤية الكاتب، وعمله السردي، فما عاد البطل الفارس يسير في عالم الرواية وفقا لبعض الخرافات والخزعبلات، بل بات العامل الاقتصادي والحب والتطلع عوامل مهمة في بناء الشخصية السردية.
أي أن الشخصية الروائية تأخذ على عاتقها جملة من التحولات التي تظهر بين الحين والآخر عبر الزمان والمكان، على صعيد التكوين الفكري أو التعامل الانساني، أو التطور الاجتماعي أو التغيير السياسي أو التطلع الاقتصادي، وتسعى من خلال ذلك إلى عمق التكوين السردي في بناء الحدث المرتبط بلحظات زمانية معينة، وظروف مكانية محددة من دون الاستقرار أو الركون، إذ يقول الكاتب الطاهر وطار «أصبحت الرواية تحتل الموقع الأكثر جماهيرية، كونها اتسعت لتشمل جوانب كثيرة من الحياة التي ترصدها عين الروائي، كما انها استطاعت ان تتسع للذاتية بحيث تلمس ذاتية الكاتب كمبدع له مشاعر واحاسيس، ومشاغله الخاصة، وتتسع للموضوعية التي تمنحه قدرة محاكمة العالم المحيط بعقل بارد».
وهنا علينا ان نتساءل عن طبيعة الشخصية الانثوية التي رسمتها الكاتبة وبنتها في رواياتها الثلاث، اي هل جعلت شخصياتها ذات بناء نام متطور متحرك معقد التكوين؟ أم انها شخصيات مسطحة بسيطة؟
ان العادات والتقاليد والاعراف الاجتماعية السائدة في المجتمع الخليجي اثرت سلبا على عملية التمدين والتطوير الفردي والمجتمعي إلى وقت قريب عند الكثير من الأسر، وخصوصا تلك الأسر التي لم تحظ بناتها بقسط من التعليم أو انها توقفت عند مراحله التعليمية الأولى، إذ يؤكد باقر النجار على «ان تطور أو تخلف علاقات المجتمع الاجتماعية تبدو أكثر وضوحا في علاقات افراد النظام الأسري القائمة بين ذكور الأسرة واناثها»، بناء على تلك الجسور المشيدة والمرتبطة بين افراد الأسرة الواحدة، أي بين الوالدين والأبناء والبنات.
فالفرد في أي مجتمع راغب في ان يكون فاعلا ومؤثرا بشكل مباشر أو غير مباشر في بناء الانسان والمجتمع، لذلك جعلت الكاتبة بعض شخصياتها الانثوية محصورة بين قضبان العادات والتقاليد، والبعض الآخر حملت شعلة الدعوة إلى التطوير، ومحاربة الاعراف، بل نسفها، وقد تصل بالأمر إلى المغالاة في تحطيمها.
*ناقد بحريني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.