من أبدع الأمور ذلك الحلم القديم الجديد بكشف سجف الغيب؛ فيرى الإنسان عالم الغيب المغيب السحري المليء بالأسرار والغوامض. علينا أن نستوعب حقيقة عني بها القرآن الكريم أن الغيب هو ليس ذلك الذي لم يحدث بعد فقط. هذا قسم واحد من ثلاثة فلننتبه. الغيب كما وصف الرب نفسه عالم الغيب والشهادة يضم ثلاثة حقول: منها المغيب في ظلمات التاريخ! يقول الرب على لسان النبي: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. وفي مكان ثان: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ، وفي مكان ثالث: مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا. منها قصة يوسف وإخوته. منها قصة نوح الغائرة في عمق التاريخ. متى حدثت تماما؟ يبدو أنها بعيدة غارقة في القدم ربما ما قبل التاريخ المكتوب. الغيب من النوع الثاني هو الذي لم يحدث بعد كما سنعرض «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ». ومنها الغيب المغيب الحاضر كما في قوله تعالى «قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ».. نحن لا نعرف أفكار من هو أمامنا، ولا دورة دمه ودمعه، فكلها غيب لنا. ولا ما يحدث من قتل في زوايا سوريا مع كتابة هذه الأسطر. وبذلك يكون الغيب ثلاث زوايا من الظلام. كانت زوجتي رحمها الله ليلى سعيد لها هذا الحلم. لو ينكشف لها الغيب. كانت تقول كما كانت الكونتيسة صوفيا شارلتنبورج تلميذة الفيلسوف لايبنتس (Leibnitz) إنها لا تخشى الموت لأنه مع ولوج عتبة الموت فسوف تكون الأسئلة التي عجز الفيلسوف عن الإجابة عنها واضحة سهلة المتناول لا يغلفها غموض وأحجية. إنها بعد دخول ظلمات الموت لسوف تدخل إلى نور الحقيقة. كانت ليلى سعيد تقول إنها تحلم برؤية أسرار الغيب المخفية، وكيف حدثت فعلا صدقا وعدلا. كيف اغتيل كيندي؟ كيف تم حريق روما والقاهرة؟ كيف حكم ستالين؟ أسرار الحرب الكونية؟ وكيف اندلعت؟ إن كل من كتب حاول من زاوية رؤيته عرض الوقائع. أنا شخصيا يسبح بي الخيال فأتمنى أن أعرف متى سأموت؟ كيف سأموت؟ بأي مرض وحالة وحادث؟ بل وأين سيكون قبري ورمسي وكفني؟ أين سوف أستقر أخيرا؟ بعد أن تجاوزت الستين وأصبحت مشتت الاستقرار؟ أين سأنزوي وفي أي زاوية سوف أرى منها العالم؟ هل سأرجع إلى الجولان حيث بنيت ذلك البناء الجميل على الهضبة؟ هل سأرى نهاية دولة البعث ودمارهم وحريقهم الأخير؟ هل ستكتحل عيني أخيراً برؤية شعبي محرراً من قيود وأصفاد البعث المقيتة وبشار معلق في حبل المشنقة فتدلى؟ أسئلة وأسئلة أحيانا أفعل كما كان يفعل كثير من الحكماء والفلاسفة أن يخرجوا في الليل البهيم فيحدثوا النجوم ويستنطقوا السماء!