في الماضي قبل عشرات أو مئات السنين، قبل تطور الطب البشري، وقبل أن نتعرف على الفحوصات الطبية بشكلها الحالي، كان الناس يلجأون في استشفائهم من عللهم الجسدية إما للكهنة أو للأطباء الشعبيين. بالنسبة للكهنة وسيطرتهم على علاج الناس وقراراتهم ومنهج حياتهم فليس بموضوعنا اليوم، أما الطب الشعبي أو أياً كان اسمه في ذلك الوقت، فقد كان يعتمد على دراسات وملاحظات متوارثة، لا تعتمد بالضرورة على معادلات وقوانين ثابتة، بعض منه مدون والبعض الآخر ليس كذلك، يتناقله بعض المختصين «نسبياً» وورثة هذا العلم جيلاً بعد آخر، فتجد بعض الأسر معروفة بالحجامة، والأخرى بتجبير الكسور والبعض يبرع في العطارة… إلخ. أما الآن وبعد القفزة العلمية التي توصلت إليها العلوم الطبية والإكلينيكية والعلاجات البشرية، من فحوصات مخبرية دقيقة إلى أجهزة للتصوير الإشعاعي والنووي، إلى أجهزة للتنظير، فهل يبقى بعد كل هذا التطور العلمي مكان للطب الشعبي بكل تفاصيله؟ وأنا هنا لا أستهين بالطب الشعبي أو أنتقص منه، لكنني أعتقد بضرورة تضييق نطاق انتشاره والتداوي والإيمان به، وللتوضيح أذكر مثالاً هنا: إذا تعرض شخص ما لحادث مروري -لا قدر الله- وعُرض على أطباء مختصين وأجريت له جميع الفحوص والصور الإشعاعية المطلوبة، سؤالي هو: إذا أشارت فحوصه وصوره إلى وجود كسور في الساق أو الكتف أو إلى نزيف داخلي مثلاً فهل يُقبل كلام الطبيب الشعبي عندما ينفي وجود هذا الكسر باعتماده على فحوص بدائية يعتمد فيها على ملاحظته باستخدام حواسه البشرية المحدودة فقط؟ ولو اعتمد هذا المريض على كلام هذا الطبيب الشعبي فهل يُعد هذا المريض مصيباً؟ أو عاقلاً حتى؟ ضربت هذا المثال وقِست عليه قضيتنا السنوية المعهودة من رؤية هلال شهر رمضان الكريم أعاده الله علينا وعليكم باليمن والبركة. سنوياً نقع في حيرة من أمرنا في قضية الاستهلال، فكما يعرف الجميع، فإن السواد العام في المملكة يعتمد في الاستهلال على الفتوى القائلة بضرورة مشاهدة الهلال بالعين المجردة، معتمدين في ذلك على أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ولا خلاف في ذلك على مستوى المملكة عند جميع الطوائف، لكن قضية الاستهلال بحد ذاتها هي نقطة الخلاف «العقلي» و«ليس الشرعي» حتى لا يساء فهم العبارة. بالرجوع للمثال السالف الذكر، فكما تطور العلم في مجال الفحوص الطبية والتصوير الإشعاعي بجميع أنواعه، فإن علم الفلك والتصوير باستخدام الأقمار الصناعية قد تطور كذلك بمستوى يفوق تصور غير المطلعين على هذا العلم الدقيق والرائع، بالإضافة إلى المعادلات الفيزيائية الفلكية والبرامج الحسابية الدقيقة التي تستطيع أن تخبرنا بدقة عن أوقات شروق وغروب الأجرام السماوية، وبرامج حساب منازل القمر وموقعه من الأرض وزوايا تعامده على الشمس، زمان مكوثه، وإمكانية مشاهدته بالعين المجردة أو بالتلسكوب «المنظار» وإمكانية مشاهدته في مواقع معينة، كل هذه البرامج لا تقل عن مستوى الأجهزة الطبية التي نعتمد عليها في تشخيص الحالات الطبية، فلماذا نثق بهذه ونتجاهل تلك؟ فلو أخبرنا عالمٌ فلكيٌ على سبيل المثال بأن القمر قد وُلِد كما يصطلح الفلكيون لكن إمكانية رؤيته مستحيلة أو شبه مستحيلة في منطقة معينة لقصر مكوثه أو لصغر زاوية تعامده على الشمس أو لأي سبب يفهمه المختصون، فلماذا نتجاهل كلام العلماء لنحتفي بمن اعتاد رؤية الهلال واعتمده الناس كطبيب شعبي لتثبيت الرؤية؟ وحتى لا يساء فهم ما أرمي إليه في هذا المقال أوضح أكثر، إن نقطة اعتراضي هنا ليست على فكرة الرؤية بالعين المجردة أو المسلحة «التلسكوب» كونها قضية فقهية بحتة لا يفتي فيها غير أهل الحل والربط في هذا المجال، لكنّ تعارض الرؤية بالعين مع الحسابات الفلكية هو ما يثير الدهشة والجدل لمن يمعن التفكير في هذه القضية، فمن غير المنطقي أن يدعي طبيب شعبي وجود كسر في حال إشارة الصور السينية إلى عدم وجوده، والأقل منطقية أن نصدق الطبيب الشرعي ونكذب الصورة! المشكلة الثانية في هذا المجال هي عندما يأتي مجموعة من الأشخاص بدون أي خلفية ولو بسيطة عن قوانين الاستهلال ليجعلوا المشهد أكثر سوءاً عندما يناقشون صحة الاستهلال اعتماداً على حجم الهلال في اليوم الثاني أو الثالث من الشهر، فإذا كان الهلال كبيراً نسبياً مقارنة بما اعتادوا مشاهدته طعنوا في نتيجة الاستهلال وقالوا إن صيامهم لم يكن صحيحاً وعليهم قضاء يوم قد فاتهم، ناهيك عن دعاوى الويل والثبور على المستهلين ومن اعتمد استهلالهم، مغفلين أو بالأحرى جاهلين بالمعطيات والأساسيات لتأييد صحة دعواهم أو نفيها، فمعلومة أن حجم القمر يختلف من موسم إلى آخر على سبيل المثال تغير في السيناريو كثيراً. في تصوري، قد نحتاج إلى إدخال مادة علم الفلك من استهلال وغيره في المنهج الدراسي، كون القضية مهمة بالنسبة لكثير. قد يعتقد البعض أن هذا الموضوع قديم، ونوقش مرات عدة، لكن هل نتائج الاستهلال إلى يومنا الحالي مرضية؟ سؤال يستحق التأمل؟