ثلاثة وستون ساعة كانت كفيلة لإحدى الشركات الصينية لبناء فندق في مقاطعة هونان مكون من ثلاثين طابقا وعلى مساحة مائة وثلاثة وسبعين ألف قدم، وفي اليابان استطاعت العقول والأيدي (الأمينة) بناء (بلد) بأكمله بعد أن دمرته الكوارث الطبيعية خلال أحد عشر شهرا فقط بميزانية لم تتجاوز خمسين مليار دولار. وفي دبي أنشئ أعلى برج في العالم (124 طابقاً) خلال ست سنوات على مساحة إجمالية تقدر بأربعة ملايين متر مربع وبتكلفة بلغت مليارا ونصف المليار دولار. أما (هنا) فحدث ولا حرج، فإنشاء جسر صغير لا يتعدى طوله 500 متر يكلف ميزانية الدولة ما يفوق 50 مليون ريال ويتجاوز عدد أيام تنفيذه ثلاثة أعوام (نصف مدة إنشاء أعلى برج في العالم) ليدخل عقب تدشينه في (العناية) مبكرا، ناهيك عن المشروعات الأخرى التي تمتد لسنوات (عجاف)، بل إن بعضها لا نرى لها نهاية وكأنها مسلسل (تركي) يمتد حتى موت آخر مشاهد له أو بوفاة سعادة المخرج! كإنشاء المستشفيات الجديدة كما هو الحال في مستشفى شمال جدة والهفوف والقوارة وحائل أو تلك المدن الاقتصادية التي سيتم بناؤها من شمال المملكة إلى جنوبها، وكذلك إنشاء الطرق كمشروع طريق الجنوب (طريق الموت) الذي كان من المقرر الانتهاء منه قبل ستة أعوام أو تنفيذ نفق يتجاوز قيمته 123 مليون ريال كما هو الحال في مشروع تقاطع الأمير ماجد مع شارع فلسطينبجدة أو جسر تقاطع طريق الملك فهد مع شارع العرب بمدينة سكاكا الذي كلف أمانتها حسب تصريح (مصدر مسؤول) 19 مليوناً و997 ألف ريال (كما هي نسب الانتخابات العربية) الذي دخل في (غيبوبة) لا يعلم أحد متى تتم الإفاقة منها حتى الشركة المنفذة وأمانة سكاكا. من الغريب أنه رغم كل تلك المبالغ (الخرافية) التي تصرف من المؤسسات ذات العلاقة والوزارات (التي هي في الأساس من أموال الميزانية العامة للدولة) على المشروعات الجديدة، فإن الملاحظ تأخر تنفيذها وفي كثير من الأحيان ضعف جودتها في حال الإنجاز بسبب (مقاولي الباطن) أو تعثرها، حيث قيم عضو جمعية الاقتصاد السعودية عبدالحميد العمري المشروعات الحكومية المتعثرة، التي لم تُنفذ بشكل صحيح كما خُطط لها، وما شابها قصور، أو ما تأخر تسليمها، بقرابة تريليون ريال، على مدى ست سنوات مضت. ذلك المبلغ (المخيف) يجعل من حقنا ك(شعب) خاصة ونحن المستهدفون من تلك الخدمات أن نعرف ما هو مصير تلك المشروعات المتعثرة والمتأخرة، كما تفرض أدبياته على (أمانات) مدننا، أن تحترم عقولنا قليلا بالإفصاح عن سبب أو منطقية ذلك التأخر مع إيجاد الحلول الكفيلة بإعداد منهجية واضحة لضمان إنجازها على أعلى مستويات الأداء وعدم التردد بالاستعانة بالشركات العالمية الكبرى المتخصصة في مجال الإنشاءات والمقاولات لحل إشكالات تلك المشروعات في حال فشل الشركات الوطنية، فجودة الأداء لا تعرف مصطلح السعودة. إن اشكاليات (مشروعاتنا) خاصة تلك التي تعنى بالبنى التحتية بحاجة إلى وضعها ضمن أولويات هيئة مكافحة الفساد التي هي أيضا بحاجة إلى ترتيب بيتها وصياغة أولوياتها. إن المشكلة الحقيقية لدينا تكمن في ضعف الرقابة وترهل النظام الذي نراه واضحا في تأخر بعض الجهات الحكومية في إعداد الشروط والمواصفات الفنية والتصاميم الهندسية لمشروعاتها، مما يؤدي إلى إجراء إضافات أو تعديلات أثناء مراحل التنفيذ، بالإضافة إلى عدم كفاءة بعض المقاولين أو تقصيرهم من جانب، وعدم جدية الإشراف على المشروعات من قبل تلك الجهات الحكومية من جانب آخر. نعم، نحن بحاجة إلى جهة رقابية ذات فاعلية مع تعزيز دور المنظمات غير الحكومية كسبيل أمثل في مكافحة الفساد تجاه تلك المشروعات ابتداء من التصميم وانتهاء بالتنفيذ، مع الأخذ بعين الاعتبار زيادة الغرامات على المقاولين المتأخرين أو المتعثرين وعدم إسناد تلك المشروعات بالباطن ومراجعة وزارة المالية لسياستها في ترسية تلك المشروعات التي تعتمد على الأخذ بأقل العروض المالية المقدمة من الشركات أو المؤسسات المنفذة دون النظر أو الأخذ بعين الاعتبار الجودة. والأهم من ذلك هو إيجاد تنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة قبل البدء في تلك المشروعات لتوفير المال والوقت، مع محاسبة المسؤولين عن توقف المشروعات، دون النظر لموقع المسؤول، على اعتبار أن النظام لا يُفرّق بين وزير وأمير ومواطن كما قال ملكنا الصالح الإثنين الماضي عند التقائه بالسفراء المعينين.