كان يصعد دون أن يكون مستعداً لهذا الصعود بسرعة شديدة، يصعد دون أي مشكلات يمكن أن يتوقف لحلها، يرتفع في فترة زمنية محدودة، بدت المسألة له وكأنها دراما معروفة أمامه ليس عليه سوى أن يتابعها.. من شدة البساطة.. ومن شدة سهولة هذا الصعود لم يتوقف ليراجع المحطات التي عبر بها في الطريق.. لم يحاول الحساب.. اعتبر أن كل شيء رُتب من أجله دون حساب.. وليس مطلوباً منه أن يدفع شيئاً.. كان يرتكن في زاويته وحيداً.. بسيطاً لا يعبأ بشيء تحدد هدفه في الحياة أن يعيش آمناً.. هادئاً.. حالماً.. مسالماً.. يأخذ حقه ولا يأخذ منه شيئاً.. لا يدوس على أحد.. ولا يدوس أحد عليه.. يعيش ضمن دائرة ما هو معلوم له.. وليس بالضرورة أن يكون مجهولاً لغيره.. كان يلاحظ الآخرين يركضون.. يبحثون.. يتسلقون.. يفجرون كل الثقوب من أجل الحصول على منفذ يصعدون منه ولو درجة.. بالقوة أحياناً.. بالعقل أحياناً أخرى.. وبالاثنين معاً.. يخسرون المنافسة.. لكن مع كل ذلك لا يتملكهم اليأس.. ولا يصل إليهم بل على العكس يظل حلم الصعود منفردين هو الحلم الأصلي.. والمشروع الآني وإن تأجل.. يظل أحدهم لا يملك سوى ثروة المنافسة.. حتى وإن كانت شرسة وغير أخلاقية من أجل الصعود.. كان يتفرج مستغرباً على اعتبار أن الأمر لا يعنيه.. وكان لا يجد إجابات مقنعة لهؤلاء الذين يتصارعون على الصعود.. وينتقلون من موقع إلى آخر بحثاً عن فرصة متاحة دون أي اعتبارات للقيم أو الأخلاق.. فجأة وضعه أحدهم على منصة الصعود بسهولة شديدة جداً.. خدمته الظروف بموجة انتقام من آخر حاول أن يصفّيها من وضعه على أهبة استعداد الصعود.. لم يتوقف للحظة.. كان الطريق ممهداً.. ويساعد على الصعود السهل.. وكان يقف متفرداً، فجأة اختفى كل المنافسين.. والحالمين بالصعود.. من أخفاهم؟ أين ذهبوا؟ لماذا غابوا؟ ولماذا لم يستطيعوا المنافسة وتُرك وحيداً لا يعرف إجابات لكل ذلك؟ خرج بسرعة من حلبات قناعته التي عاش بها ولها.. وانطلق سريعاً نحو مسارات مفتوحة مداخلها تفتح لها الأبواب.. والنوافذ قبل أن يصل.. لا أزمات تحول بينه وبين الانطلاق السريع.. ولا أشياء مريرة تجعله يطرح الأسئلة.. وينتظر الإجابات. انطلق المد بسرعة.. بين الليلة وضحاها واصل الصعود.. لم يكن يضيق ليتدارك ما مر به بالأمس إلا ويجد نفسه قد قفز عشر قفزات أخرى إلى الأمام. ارتفع كثيراً كالطائر.. دون مدى كما يعتقد.. حاصرته السعادة والمال.. والحياة.. والوجوه.. والناس.. أتت كل الأشياء مرة واحدة سريعة دون تخطيط.. لكنه اندمج في فيلم الصعود.. طالما لم يكن مطلوباً منه أن يدفع شيئاً.. وهو يصعد تذكر أن أكثر أمنياته لم يكن يراودها مجرد صعود درجة فكيف وهو يختصر كل الدرجات في لمحة؟ لم يدفع شيئاً دُفع له كل شيء.. والنتائج مبهرة.. ومفرحة لم يتوقف.. كل يوم كان يجد نفسه مطلوباً لمواصلة الصعود.. دون تمهل أو توقف.. أو حتى إقناع.. اعتاد الصعود.. بل تعب.. محمولاً.. ولم يعتقد أن هناك لحظة ممكن أن تأتي ستدفعه إلى الهبوط مرة أخرى.. لم يعتقد ان الطائر مهما حلق وارتفع له مدى محدود عليه أن لا يتجاوزه وسيعود مرة أخرى.. لأن هذه هي القوانين.. وهذه النظم الحياتية والكونية.. وأيضاً لم يكتشف في رحلة الصعود السريعة أن هناك فواتير مؤجلة لابد من دفعها سواء بقي في مداره.. أو هبط.. وتتحدد قيمتها بحسب رغبته... وهو هناك توقف بعد الصعود وفي القمة.. وعند التسديد أصر على البقاء.. والدفع مهما كان ذلك مكلفاً وخاصماً من سيرته.. وصفائه.. ونقائه.. وأخلاقياته.. عليه أن يدفع فوراً وليس مؤجلاً.. وسيواصل الدفع.. وإلا فالهبوط قادم وبفواتير أخرى ولكن على الأرض..