تجد الغالبية تفكر في الشيء نفسه، وتدافع عن الشيء نفسه من دون أن يكون لديها أقل التزام حقيقي نحو ما تدافع عنه، ذلك أن للناس لغة مزدوجة، فيقولون ما المفروض والمقبول اجتماعياً أن يقولوه، فلا تستغربهم إذاً وهم ينسبون للآخرين تصرفاتٍ ومشاعرَ وأفكاراً، كبتوها هم أنفسهم في دواخلهم، ثم أسقطوها على غيرهم، فتجد الفاسد لا يتحدث إلا عن الشرف والأمانة، وذي التنازلات لا يصرخ إلا باسم الكرامة، والمهووس جنسياً يغالي في نعت الآخرين وتفسير ردود أفعالهم بالانفلات الأخلاقي وهكذا، وكلما بذلنا جهداً أكبر كي لا نفكر في شيء معين فكّر به اللاوعي أكثر، وكم عبرت أحلام نومنا عن كثير من رغباتنا. إذ تشق أفكار اللا وعي طريقها إلى الوعي مع ضعف الرقابة الذاتية التي نمارسها في اليقظة على وعينا. وهو أمر ينطبق على جميع الناس، فهو ليس قصراً علينا، ومع ذلك تظل سوق الازدواجية في البلاد العربية رائجةً ولها شعبيتها، فالأحكام الجاهزة تنتظر، والاستهزاء والانتقاد في تحين لأقل فرصة للانطلاق، والتدخل في شؤون الغير وإبداء النصائح وأحياناً افتعال المعارك من أسهل الطرق، فنتعود مرغمين على العيش كما يريد الآخرون لا كما نريد نحن. ومن يخالف يفضل أن يطبق تلقائيته ويستمتع بما تمليه عليه قناعاته ورغباته بعيداً عن الأعين والفضول، ولأنه جميل أن نجمع الدمى للعرض، لكن الأسوأ أن نكون نحن الدمى المعروضة، إلا أن هذا الأسوأ لا يحصل إلا برضانا. اعتبر الفيلسوف الدنماركي «كير كيغارد» والمتأثر بفلسفة هيجل أن هناك ثلاث مراحل ممكنة إزاء الوجود، وهي: الجمالية، الأخلاقية، والدينية، منبهاً إلى أن الإنسان قد يتوقف عند أول مرحلتين (الجمالية والأخلاقية) ثم يقفز فجأة إلى المرحلة الثالثة (الدينية)، وإن كان أكثر الناس قد يراوح طوال حياته في المرحلة ذاتها، والذي يعيش في المرحلة الجمالية هو الذي يبحث عن الشيء الذي يمتعه، فتراه مصمماً على ألا يضيع اللحظة، بل يعيشها حتى الثمالة وكما يحلو له. ومن هذا المنطلق تجده يتحرك دائماً ضمن عالم الحواس، فمدعي الفن أو متذوق الجمال هو لعبة لأهوائه ورغباته، رافضاً ما هو مضجر أو مخيف، إنما الإشكالية مع صاحب المرحلة الجمالية أنه قد يدهمه شعور بالقلق والتململ والفراغ. وقد يكون شيئاً إيجابياً إن دفعه إلى اختيار القفزة الكبرى التي توصله إلى المرحلة العليا الدينية، وإن كان لا فائدة من المبادرة بالقفز إن لم يكن المرء مستعداً للمضي حتى النهاية، وبهذا المعنى بالذات يقول سقراط إن كل وعي حقيقي، يأتي من الداخل، فلا بد أن يأتي الخيار الذي يدفع الإنسان للعبور من المرحلة الجمالية إلى الأخلاقية ومن ثم إلى اتخاذ موقف ديني من الداخل. أما المرحلة الأخلاقية فمشبعة بجاذبية المثاليات والمعايير الأخلاقية، وفي ذلك يرى كير كيغارد أنه ليس من المهم معرفة الصحيح والخاطئ، ولكن الأهم أن نختار ونتصرف وفق هذا التمييز، في حين أن متذوق الجمال لا يهتم سوى بمعرفة الممتع والمسلي، تاركاً جانباً ما يبعث على الملل كالالتزام الأخلاقي الواجب، لتكمن إشكالية المرحلة الأخلاقية في جدية صاحبها أكثر من ما يجب، حتى إنه قد يمل من التنبيه الدائم لواجبه، ومن جرس الإنذار الذاتي الذي فرضه على نفسه لعدم انتهاك القواعد الحياتية التي التزم بها، ممل قد يعيده إلى المرحلة الجمالية أو قد يقفز به إلى المرحلة الدينية، مفضلاً الإيمان على متع الحواس، أو على إتمام الواجب الذي يمليه عليه عقله، أي يصل إلى المرحلة الثالثة التي يرى كيركيغارد أن الإنسان يجد فيها التصالح المأمول مع نفسه، والسؤال: لمَ لا نعيش المراحل الثلاث وبتوازن يناسب طبيعتنا؟ [email protected]