أبها يعزز صدارة يلو ب "مؤجلة" الجبيل    ميتي يحسم الجدل: مشروع الهلال الرياضي كان المحرك الرئيسي لانتقالي    رومانو يحسم الجدل: محمد صلاح يقترب من دوري روشن.. والاتحاد في مقدمة السباق    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    ضبط 11967 مخالف لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود    الأسهم الأمريكية تغلق على تراجع    الخارجية الفلسطينية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف تهجير الفلسطينيين من القدس المحتلة    أسعار الذهب ترتفع أكثر من 3%    مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يعتمد قرار دعم حقوق الإنسان في سوريا    الحمدان: نعتذر للجماهير السعودية ومواجهة مصر ودية    الكويت: اعتراض 4 صواريخ باليستية و3 مسيرات إيرانية خلال ال 24 ساعة الماضية    استعدادًا للمونديال.. مصر تهزم الأخضر السعودي برباعية    المنتخب السعودي B يلاقي السودان وديًا غدًا في جدة    نائب أمير نجران يلتقي رؤساء المحاكم بالمنطقة    القبض على (6) يمنيين في جازان لتهريبهم (68) كجم "قات"    جامعة أمِّ القُرى تنظِّم حفل المعايدة السَّنوي بمناسبة عيد الفطر المبارك.    رجل الأعمال محمد السميح احتفل بزواجه في مكة المكرمة    البيت الأبيض يلمّح لإعلان مرتقب بمنشور غامض    رئاسة الشؤون الدينية تصدر جدول البرنامج العلمي الدائم بالمسجد الحرام لشهر شوال 1447ه    أنغام تعايد جمهورها في ليلة طربية على مسرح عبادي الجوهر بجدة    أمير نجران يلتقي رئيس المحكمة الجزائية وعددًا من القضاة بالمنطقة    شراكة أكاديمية بين جامعة الرياض للفنون وجامعة جيلدهول للموسيقى والدراما    ناجلسمان: 8 أسابيع تحسم مصير موسيالا في كأس العالم    بلدية الظهران تحتفي بعيد الفطر بفعاليات ترفيهية مميزة    قبيلة بني مبارك في صامطة.. بهجة العيد تُتوج بالفخر الوطني    وزير الخارجية يلتقي وزير خارجية الهند    الحذيفي: التقوى والثبات بعد رمضان طريق الاستقامة    رمضان والعيد يرفعان حجوزات السفر والسكن    رئيس جمهورية أوكرانيا يغادر جدة    المعيقلي: التقوى طريق النجاة والفوز الحقيقي    أمير حائل ونائبه يقدّمان العزاء لأسرة السبهان .    فيصل بن بندر يستقبل مديري التعليم والبيئة والمياه والزراعة بالمنطقة    التخصصي" يتوج بجائزة بيئة العمل الصحية من سيجما العالمية    الأصول الاحتياطية للبنك المركزي السعودي تتجاوز 1.7 تريليون ريال بنهاية 2025م بنمو سنوي 5.3%    بيعة ولاية العهد.. نماء ونهضة    العيد في السعودية.. حكاية طمأنينة    أنغام تفتح تاريخها الفني في ليلة طربية مرتقبة    سيكولوجية الحروب    العولمة كدوّامة بصرية    خط شحن جديد مع البحرين    ارتفاع السوق    ذكريات العيد في مجلس البسام    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ علي زيدان البلوي بوفاة والدهم    تعدي عليها.. حبس شقيق شيرين عبد الوهاب    الاكتفاء بموافقة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني.. توحيد إصدار تراخيص التعليم الإلكتروني الخاص    14.8 مليار ريال تسوق أسبوع    إيران تعلن استهداف حاملة طائرات أمريكية بالخليج    تخصصي الدمام يعايد المرضى    أسرة محرق تتلقى التعازي    طالب العراق بإيقاف هجمات «الفصائل» على دول الجوار.. بيان عربي سداسي: «خلايا إيران» تهدد الأمن والاستقرار    سقوط شظايا صاروخ على منزلين بالشرقية    «التخصصي» ينجح في إجراء عملية سحب القولون ب «سونسن»    مختص: قياس الضغط المنزلي أدق من قراءة العيادة    شاشة الهاتف تسرع ظهور الشيب والتجاعيد    الصمعاني: تعزيز كفاءة الأداء لتطوير المنظومة العدلية    الأمم المتحدة: هجمات إيران على المدنيين في الخليج والأردن ترقى إلى جرائم حرب    "إفتاء عسير " يهنئ عضو هيئة كبار العلماء بعيد الفطر المبارك    الدفاع المدني: سقوط شظايا اعتراض صاروخ باليستي على سطح منزلين بالمنطقة الشرقية ولا إصابات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د.سمير الضامر:عودة المطربين الجدد للأغنية الشعبية دلالة على حالة الإفلاس الفني والشعري والإيقاعي الذي تعانيه الأغنية الجديدة
في حوار عن الأغنية الشعبية من منظور ثقافي
نشر في الرياض يوم 04 - 10 - 2012

الأغنية الشعبية حاضرة في ذاكرة المتلقي، لكنها غائبة عن الحضور الإعلامي على المستوى . وغائبة أيضا على مستوى السؤال الثقافي . فتلك الأغاني لا تمثل بعدا غنائيا فقط ولكن هي ذاكرة زمن وشاهد على العصر. وفي هذا الحوار مع الدكتور سمير الضامر . سمير الضامر الباحث في الدراسات النقدية وأنثربولوجيا الفنون نتعرف من خلال رؤية ثقافية على مضامين وملامح الأغنية الشعبية في الخليج العربي.
- ترى بأن الفن الشعبي هو فن بدائي وهذا هو سر تماسكه وحضوره في ذاكرة المتلقي، فما المقصود بالبدائية هنا؟
= البدائية في نظري هي حالة زمنية عاشها الإنسان الأول؛ أي ماقبل نشوء الحضارات، والبدائية في الفن هي النظام الطبيعي الذي سار عليه الإنسان في حياته كلها؛ بمعنى أن الإنسان القديم بنى حياته وطقوسه من خلال أنظمة طبيعية وكونية، هذه الأنظمة هي إجابات وتأملات لأسئلته التي طرحها حول الحياة والموت، والسماء والأرض، والماء والحجر، والذكر والأنثى، والإنسان
سلامة العبدالله، هو مطرب شعبي مُنتج للشعبية أكثر منه مقلداً لها
والحيوان، وكافة الثنائيات المختلفة، وهذه الأنظمة الطبيعية هي محاكاة للعالم الكوني أو المثالي الذي عاشه الإنسان القديم، وصارت هذه المحاكاة نوعاً من الممارسة الحياتية التي عززت من ممارسة الطقوس دينياً بهدف طرد الخوف من المجهول والأرواح الشريرة، وبهدف التقرب من الإله الذي يبحث عنه الإنسان ويراه في أشكال مختلفة من الأشجار والأحجار وهذه هي فكرة الوثنية.
بطبيعة الأمر فإن الفنون كانت في منشئها الأول طقوساً دينية تُمارس في المعابد الوثنية، وكانوا يقيمون الابتهالات والرقصات ويضربون الإيقاعات لهدف ديني بالدرجة الأولى، وكان يصاحب ممارسة الطقوس البدائية الوثنية القديمة أعمال مكملة لها مثل: تقديم القربان البشري أو الحيواني، والرقص من أجل التطهير وغيرها، وصبغ الوجوه بألوان مختلفة، ولبس ملابس خاصة لأداء الطقس، وهذا النوع من الطقوس الوثنية قد حاربته عقيدة التوحيد التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام، ومنذ ذلك فقد انفصل الطقس عن المعبد وتشكل في صورة أخرى ألا وهي صورة الفن الغنائي والأدائي، وتطور من خلال التواصل مع المجتمعات في الحالات الإنسانية المختلفة كالأفراح والعزاءات وغيرها، وإذا كانت البنية الوثنية قد انزاحت تماماً من الفن بشكلها الحقيقي السابق إلا أنها لا تزال موجودة في الفنون من خلال الأشكال الرمزية والعلامات الدلالية على تلك الحالة الوثنية القديمة، لقد تطهر الفن الشعبي تماماً من فكرة الطقوس الوثنية المباشرة مع ظهور حقيقة التوحيد، والمعرفة الحقيقية بالله سبحانه وتعالى، ولكن البدائية لاتزال منغرسة في الفن بصورة لايعيها الذين يمارسون تلك الفنون، ويرون أنها فلكلور أو تراث شعبي، ولكن الباحث هو الذي يستطيع من خلال الدراسة أن يعيد الفن لأصوله الأولى وجذوره البدائية، ويكشف الرحلة (من الطبيعة إلى الثقافة) التي مرت بها هذه الفنون.
مصطلح (البدائية) اختفى اليوم من الوصفية الثقافية لمفهوم الفن، وحل مفهوم (الشعبية) بديلاً عنه، إلا أن البدائية والشعبية وإن كانا مصطلحين مختلفين فهما بنية واحدة، تظهر في الأولى بالممارسة الحقيقية، وتظهر في الثانية بالممارسة الرمزية.
- هناك فرق بين الفن الشعبي والأغنية الشعبية، فالأول مصادره مجهولة ويعتمد على الشفاهية ومرتبط بالطقوس، أما الأغنية الشعبية فمصدرها معلوم من حيث الكلمة واللحن. كيف ترى المسافة بين الفن الشعبي والأغنية الشعبية؟
= مصطلح (الشعبية) في الفن يختلف عن معناه في (الأغنية)، فالمنتج الشعبي/البدائي ارتبط بالشعوب من خلال عدة مستويات:
مستوى المُنتِج
مستوى المتلقي
مستوى البيئة الفكرية
فالمُنتج للفن الشعبي البدائي مجهول، وغير معروف، وأغلب الاشارات الدالة عليه هي خصائص ذات صبغة جماعية وليست فردية، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه (موت المؤلف) فالفرد قديماً ليست له ذات معتبرة إذا ما قيست بذات الجماعة أو القبيلة، ولذلك انمحت الذات الفردية في الانتاج الفني الشعبي
كلما كان المجتمع إنسانياً فقد أنتج الصدق في فنونه وإبداعاته
القديم لتكون صورة حقيقية للذات الجماعية، وعلى سبيل المثال: من هو مبتكر فن العرضة؟ من هو مبتكر فن السامري؟ من هو مبتكر فن الْفجِري؟ من هو مبتكر فن الزار؟ من هو مبتكر فن النواح والعزاءات الحسينية؟ إن بعض الأسماء التي ارتبطت ببعض هذه الفنون ليست هي الأسماء المُبتكِرة لها، وإنما هي المكتشفة والملتقطة لها من خلال من سبق ممن كان يؤديها من الناس. وما دور ابن لعبون وعبدالله الفرج إلا كدور الخليل بن أحمد مكتشف بحور الشعر العربي، وكدور هوميروس الذي انتهت لديه الروايات الشفاهية القديمة وصاغها في ملحمتين مشهورتين هما: الإلياذة والأوديسة.
أما مستوى المُنتِج في (الأغنية الشعبية) فهو معروف، وساعد على ذلك التطور الحضاري والانتقال لعصر النفط الذي ساعد على وجود شركات ومؤسسات استقطبت الشعراء والمغنيين والعازفين والإيقاعيين، وتشكل ما يسمى بحقوق المؤلف، وحقوق النشر، وتاريخ الانتاج الفني منذ عهد الاسطوانات والكاسيت
والميديا الرقمية، وهي إلى اليوم تعيش في صراع عنيف حول مسألة حفظ الحقوق ومطاردة من يسرق قانونياً ومالياً.
أما مستوى المتلقي للفن الشعبي القديم فقد كان يتلقى الفن بوصفه مرتبطاً بحالة السلوى الوجودية لحياته، وحالة ارتباطه بطقوس العمل والحرف البحرية والزراعية والصحراوية، فالفن لم يكن سوى صديق متواجد مع الإنسان، الأم تهدهد طفلها لينام، والأستاذ البناء يصدح بالشعر ويؤديه ليروح ويسلي عن البنائيين وينسيهم التعب الجسدي، والنهام يفجع بصوته القوي حالة التلاشي التي يعيشها البحارة وهم بين السماء والبحر، ويفجع بصوته في محاولة لاحتواء الغربة والحنين اللذين يسيطران على البحارة لشهور طويلة.
لكن مستوى المتلقي للأغنية الشعبية فقد اختلف، وصارت له أعراف وطبقات
البدائية لا تزال منغرسة في الفن بصورة لا يعيها الذين
اجتماعية في تلقيه، فالشيوخ أو كبار القوم يأنفون من الجلوس مجالس الغناء ظاهرياً، ولا يخالطون عامة الناس، ولهم مجالسهم الغنائية الخاصة بالسر، وكذلك (الزقرتية) لهم أوقاتهم وطقوسهم ومناسباتهم في تلقي الغناء وإحياء الحفلات، وكذلك عامة الناس فلهم ما يُغنى في الأفراح، أو ما يُنشد في الموالد النبوية، أو العزاءات الحسينية، بل صار الفن من خلال تتبعي منقسماً بين مذاهب سنية وشيعية، وعلى سبيل المثال فإن فن (المجيلسي) يختلف في أدائه مابين السنة والشيعة، حيث إن السُّنة أدخلوا عليه مختلف الآلات الوترية والايقاعية، وأنواع مختلفة من الفنون الشعرية، بينما الشيعة ارتبط (المجيلسي) عندهم بفكرة الابتهالات والأدعية فقط، وليس فيه إيقاع سوى إيقاع (الصفقة)، وهو ما يعرف عندهم ب(الجلوات).
أما عن مستوى البيئة الفكرية فالاختلاف كبير جداً، حيث إن البيئة الفكرية للفن الشعبي القديم كانت متسامحة إلى حد كبير، ولم يرتبط الفن لديها بحالة من المحظور الديني أو السياسي، على العكس من حالة الأغنية الشعبية في بعض الدول حيث ولدت الصراع بين فئتين من الناس هما فئة المتشددين وفئة الفنانين والمنتجين، وقصص الصراع بين تلك الفئتين كثيرة، وهي التي أبعدت الفكرة الطبيعية الإنسانية للفن، وأدخلت المجتمعات في الصراع الفكري الأيديولوجي المرتبط بحراس لكلا الفريقين.
- المطرب الشعبي في إنتاجه الغنائي يمزج بين الحالة الفلكلورية وبين إبداعه الخاص. لذا فالسؤال: هل المطرب الشعبي مبدع أم مقلد؟
= المطرب الشعبي مادام داخل المنظومة (الشعبية) فهو في إطار التقليد،
يمارسون تلك الفنون، ويرون أنها فلكلور أو تراث شعبي
والتقليد هنا هو اعادة الحالة الشفاهية لأداء الفن كما تلقاها ممن سبقه، وهذا النوع من التقليد ليس مذموماً خاصة في المجتمعات التي تتعرض هويتها الثقافية الفنية للتهميش والاقصاء وعدم الاحتواء من المؤسسات والمعاهد المتخصصة، ولذلك فإن عمل المطرب الشعبي هو نوع من التوثيق، وحفظ لنوع المادة الشعبية التي تعد مدماكاً وأساساً في البنية الثقافية لحالة التجديد والحداثة التي ستأتي لاحقاً، مطربون كثيرون ساروا في فلك التقليد ولكنهم ظلوا تحت ظلاله وسيطرته، ومطربون آخرون ابتدأوا مع التقليد وتجاوزوه، ولكنهم في أثناء تقليدهم كانوا أكثر وعياً وذكاءً بأن يقدموا المادة الشعبية بأدائهم الخاص وروحهم الذاتية، وعلى سبيل المثال فإن أداء محمد زويد في بداياته يكاد يكون قريباً من أداء زميله ضاحي بن وليد، وربما يصعب التفريق بينهما لولا ما اشتهر من أصوات ضاحي المميزة، إلا أن محمد زويد غير فيما بعد وصار أكثر نضجاً وأظهر طريقته الخاصة في أداء فنون الصوت والبستات وغيرها، كذلك عوض الدوخي وحمد خليفة في الكويت فقد كانا ممن قدما أصوات محمد بن فارس وضاحي بن وليد لكنهما قدماها بطريقة جديدة مع ادخال بعض الآلات التي لم يستخدمها ابن فارس. إلى أن نأتي في هذا المقام إلى حالة شعبية متفردة ربما لا نلمس فيها أي أثر للتقليد، وهي تجربة سلامة العبدالله، فهو مطرب شعبي مُنتج للشعبية أكثر منه مقلد لها، وتجربة سلامة العبدالله الشعبية هي بصمة ثقافية بكل ما تعنيه الكلمة في إنتاج الأغنية الشعبية التي من الصعوبة أن تجد فيها ملامح للتقليد مستمدة من مطرب آخر.
سلامة العبدالله
كما أن الوعي بالشعبية بوصفها مادة خاماً ارتبط بعدد قليل من الملحنين والمجددين كتجربة مطلق دخيل في تطوير بعض أغانيه مستلهماً البنية الايقاعية والشكلية لفن الصوت، ولفنون الهيدا، وللأسف فإن تجربة مطلق دخيل اللحنية لم يسلط عليها الضوء حتى هذه اللحظة، و كذلك تجربة الملحن عبدالرحمن الحمد مع الفنان محروس الهاجري. أيضاً هناك تجارب مهمة كتجربة خالد الشيخ في البحرين، وتجربة محمد المسباح في الكويت وغيرهم.
- هل المطرب الشعبي نتاج حالة اجتماعية أم نتاج حالة فردية؟ وكيف نفسر غياب الفنان الشعبي في السنوات الأخيرة؟ مثلاً: لم يظهر مطربون بحجم سلامة العبدالله وفهد بن سعيد وبشير شنان وعيسى الأحسائي وطاهر الأحسائي وغيرهم؟
= لا شك أن المطرب الشعبي هو نتاج الحالة الاجتماعية الشعبية، وتتآزر معه حالته الفردية، وبالفعل فقد غاب المطرب الشعبي في السنوات الأخيرة وذلك لعدة أسباب.
إذا تأملنا اللحظة التاريخية التي برز فيها سلامة وعيسى وبشير وغيرهم فإننا نجد أن تلك اللحظة التاريخية كانت مهيأة لأن تنتج مثل هؤلاء، والسبب هو وجود عامل الحرية والتسامح المطلق من قبل الراعي الأول لهؤلاء الشعبيين وهو المجتمع، فالمجتمع لم يكن وسيلة صد أو منع لهم، بل كان يتابعهم ويسافر من أجل حضور حفلاتهم، ويشتري كل ما يصدر من أسطواناتهم وأشرطتهم، وبالفعل فقد كانوا هم صوت الشعب الذي يريد الأنس والتسامح ويأنس بالجميل من الأشعار والألحان.
محمد زويد
وعلى النقيض من ذلك فقد كانت نهاية السبعينيات الميلادية في ظروفها المختلفة هي التي هددت بل قمعت البيئات العربية الخليجية من انتاج مطربين شعبيين لعدة اعتبارات: أهمها بروز تيار مابعد الحداثة في أوروبا وهذا له تداعياته السياسية والدينية على العالم ومنها دول الخليج، وبروز تيار العنف والطائفية المذهبية وذلك مع تجربة الثورة الخمينية في ايران، ودخول المجاهدين العرب والحكومات العربية في أفغانستان ضد المد الشيوعي كما صورته لهم أمريكا وأدخلتهم في هذه الحرب التي انتهت بتفرق الصوت الاسلامي في الجهاد إلى طوائف وأحزاب، وانتشار الهيمنة التكفيرية من قبل بعض المتشددين في المجتمعات العربية، هذه الحالة السياسية والتاريخية عززت من تيار المتشددين الذين رأوا أن الغناء سببٌ من أسباب الفساد والهلاك ودمار الأمة، فاشتدت سلطتهم على الخطاب الفني والغنائي، وانعزل المطربون الشعبيون، فمنهم من اعتزل وتنسك، ومنهم ظل يمارس فنه على مرأى من أصحابه وندمائه، كما أن مؤسسات الانتاج لعبت لعبتها التجارية فقضت على مفهوم المطرب الشعبي وأنتجت طرباً شبابياً هو الذي شكل مفهوم أغنية الفيديو كليب منذ التسعينيات الميلادية وحتى الآن.
- الإيقاع في الأغنية الشعبية يحتل مساحة لحنية مهمة. هذا العمق للإيقاع في الأغنية الشعبية كيف ترى مبررات حضوره؟ هل هو مرتبط بحاجة موسيقية أم أن للبيئة معطيات وجدانية جعلت حضوره مهماً في الأغنية الشعبية؟
= يا عزيزي هذا سؤال مهم وخطير في نفس الوقت. ويحتاج لدراسات علمية لكننا مع الأسف نعدم المتخصصين في هذا المجال. الإيقاع في الأغنية الشعبية هو سر من أسرار خلودها وتماسكها، والايقاع وإن كان وحدات زمنية متكررة في الجملة اللحنية يضمن لها التماسك والتوازن وبث حالة الطرب، إلا أنه أعمق من ذلك، والسبب أنه نتاج حالة محاكاة كونية استلهما المطرب من ايقاع الكون الكبير في أشكاله وألوانه السمعية والبصرية والذوقية، والإيقاع أيضاً نتاج إفرازات ثقافية لمجتمعات ما قبل التحضر وهو عالم البدائية التي تحدثنا عنه قبل قليل، لذلك فالإيقاع هو حاجة وحالة موسيقية وحالة وجودية اجتماعية، وارتبط هذان الأمران فنتجت لدينا الأغنية الشعبية، و لكن لما انفصل الإيقاع عن تلك الحالة فقد ظهرت لدينا أغنية جديدة لكنها لن تضمن لنفسها التماسك والخلود في الزمن، وعلى سبيل المثال كان من أهم أعلام الأغنية الشعبية في المملكة فنان مغمور ومهمش، إنه فنان إيقاعي لم يستغنِ عنه الكثير من المطربين وشركات الانتاج في ذلك الوقت وقد اشتهر بلقب "تركي المروس" وهو تركي الحادي أحد أهم وأشهر الإيقاعيين في منطقة الأحساء والخليج، فقد رافق مطلق دخيل وسلامة العبدالله وخلف بن هذال وبشير شنان وعبدالله الجنوبي وطاهر الأحسائي وكل المطربين بلا استثناء، وهذا الايقاعي لم يكن دارساً لفن الايقاع، ولم يتعلمه أكاديمياً أو في المعاهد، وإنما هو ابن الفطرة وتشجيع المجتمع، وهما اللذان جعلا منه أستاذا في فن الايقاع بتفنن واحتراف في لغة أصابعه وجسده دون أن يخطئ، أما اليوم فقد استعاض المطربون بالآلات الجديدة لتوليد الايقاعات، وصارت هناك ايقاعات جاهزة تركب على الأغنية ولكنها ليست كالأغنية الشعبية التي كان كل منتجوها من الطاقات البشرية المبدعة.
نحن بحاجة للعودة لفنون الايقاع وتدريسها في المعاهد والمدارس ليس من أجل النهوض بمستقبل الأغنية فقط، بل لما لها من أبعاد ثقافية وتربوية ونفسية على الحالة الإنسانية المتأزمة التي تعيش ويلات الطائفيات والكراهية في المجتمعات الجديدة.
- نلاحظ الآن أن هناك مطربين مشهورين يعيدون غناء أغاني سلامة وفهد بن سعيد وحمد الطيار وغيرهم من الفنانين الشعبيين. كيف تفسر هذا الارتداد؟
=إعادة غناء الأغاني الشعبية القديمة من قبل مطربين حاليين فيه أكثر من تفسير:
التفسير الأول: يدل على عودة الأغنية الشعبية القديمة لتتمركز في الذائقة المعاصرة؛ ذائقة زمن العولمة والانترنت.
التفسير الثاني: يدل على تقدير المطرب المعاصر لتراث الأغنية ولذلك فهو يؤديها من باب الاعتزاز بالتراث وبالأسلاف السابقين المؤسسين للأغنية الشعبية، وليطلع الجيل الجديد على الإنتاج القديم.
التفسير الثالث: فيه محاولة لإعادة الأغنية الشعبية القديمة ولكن بصورة فنية جديدة تتناسب مع ذوق العصر ومرتبطة بالآلات الجديدة كنوع من التجريب والتجديد في وقت واحد.
التفسير الرابع: إن المطرب الجديد وهو يعيد غناء الأغاني الشعبية فهو يحتوى ذلك التراث المفتوح بدون حقوق ليضمه إلى رصيده الفني وتجربته الجديدة، وهذا ما نراه من تجربة جلسات وناسة وخاصة مع المطرب راشد الماجد، وهو مع إتقانه الشديد لأداء الفن وإنتاج الطربية والإنسانية إلا أنه يصنع لنفسه سُلطة فنية وهناك كثير من المطربين يعيدون غناء الأغاني الشعبية القديمة لكنهم ليسوا بذكاء ووعي راشد الماجد وروحه الفنية الجميلة.
التفسير الخامس: فيه دلالة على حالة الإفلاس الفني والشعري والإيقاعي الذي تعانيه الأغنية الجديدة، وفي عودة المطربين الجدد للأغنية الشعبية فإنها عودة للأصالة ولعل فيها نوع من التعليم والتجسيد لأهم الملامح التي تأسست عليها الأغنية الشعبية ومحاولة تقليدها.
- لو تعمقنا في أصوات المطربين لتلك المرحلة سنجد أن الصوت الآثم يتلمس حضوره في الغناء. فالمغني يغني وهو يشعر أنه في حالة ما من الإثم. هل ترى بأن ذلك سبب في هجر الكثير من الأصوات للفن واعتزال الغناء؟
= الصوت ليس فيه إثم مالم يتكلم بالقبيح والمحرم من القول كالسب أو الطعن في الأعراض، والصوت الغنائي المجرد لا يمكن أن نعده إثماً، ربما نطلق عليه جميل إذا أعجبنا، أو نطلق عليه قبيح إذا لم يعجبنا، وهكذا، وفي نظري أن السر وراء اعتزال المطرب هو سبب اجتماعي بالدرجة الأولى، وهو سبب مقنع ووجيه ولا نلوم عليه المطرب إذا تعرض لحالة إجحاف اجتماعي ليس عليه فقط بل على أسرته وأبنائه وبعضهم يرفض تزويج بنات فلان لأن أبوهم مطرب، فهنا تكمن الخطورة في المسألة وهي خطورة ناتجة عن سلطة اجتماعية، يأتي بعدها فعل السلطة الدينية، ويبقى شيء مهم في الأمر وهو غياب البعد الفلسفي لدى المطرب، هذا الغياب هو الذي يجعله أرجوحة بين السُلطات الاجتماعية والدينية، والخسارة الكبرى في نهاية الأمر هي خسارة الأبعاد الإنسانية بقيمها وأخلاقها وهي التي كانت موجودة في يوم من الأيام بوصفها بنية اجتماعية طورت من الأغنية الشعبية وارتقت بها، لكن يوم أن تخلى المجتمع عن أبعاده الإنسانية فقد أثَّر ذلك على مستوى الأغنية، وكلما كان المجتمع إنسانياً فقد أنتج الصدق في فنونه وإبداعاته، وكلما كان مادياً فقد أنتج النفاق والوصولية والأنانية التي لن يكون الفن فيها سوى واجهة شكلية وممارسة موسمية باسم الاعتداد بالتراث.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.