لعل الملاحظ في مسألة الموارد البشرية في المنطقة العربية، انخفاض إنتاجية العامل وبخاصة في قطاع الزراعة التي تستأثر حوالي 28 % من إجمالي قوة العمل، مع تفاوت نصيب القوى العاملة في قطاع الزراعة من دولة عربية إلى أخرى، حيث لم تزد نسبة العاملين في هذا القطاع في بعض دول الخليج عن 3 % من إجمالي القوى العاملة، في حين تجاوزت هذه النسبة 72 % في بعض الدول العربية الأخرى. كما تتصف القوى العاملة المعروضة في أسواق العمل العربية بارتفاع نسبي بعدد العاملين في الوظائف المكتبية والديوانية وارتفاع نسبة العمالة غير الماهرة في قطاع الإنتاج والتشييد والنقل. كما يستأثر قطاع الخدمات بالنصيب الأكبر من إجمالي القوى العاملة في المنطقة العربية بنسبة تبلغ نحو 46 %. وتشير بعض التقديرات إلى أن معدل نمو المشاركة في النشاط الاقتصادي أقل من معدل النمو السكاني ويرجع ذلك إلى عدم انخراط المرأة في سوق العمل العربية بشكل واف، وارتفاع نسبة الإعالة الاقتصادية، وارتفاع حجم سكان الريف حيث تنتشر البطالة المقنعة. إن تنمية الموارد البشرية في المنطقة العربية يجب أن تكون تنمية مترابطة ومتكاملة في عناصرها الأساسية، كالسياسات السكانية، والخصائص الهيكلية للقوى العاملة، وسياسات الإعداد والتدريب، على أن يتم ذلك كله في إطار الخطط الاقتصادية والاجتماعية الشاملة ومن خلال الأهداف الاستثمارية والإنتاجية. فعند وضع إستراتيجية لتنمية الموارد البشرية، يجب أن تتضمن تحقيق التطور النوعي للقوى العاملة، ورفع كفاءاتها ومهاراتها في شتى قطاعات النشاط الاقتصادي بما يتمشى مع مستلزمات تحقيق التنمية الشاملة، وهذا يتطلب رفع إمكانيات التأهيل والتدريب وتوسيع قاعدتها بحيث تشمل مختلف أنماط المهن ومستويات المهارة والاختصاص مع تأهيل القوى العاملة لتوظيف التقدم التقني والثورة العلمية وجعلها في مستوى يمكنها من الإسهام في تطوير التكنولوجيا وتوطينها وابتكارها، هذا بالإضافة إلى تحقيق التوازن بين عرض القوى العاملة والطلب عليها بهدف التوصل إلى الاستخدام الأمثل لقوة العمل.إن وضع مثل هذه الإستراتيجية يتطلب توفير البيانات والمعلومات، وتحديد الاتجاهات المستقبلية للتنمية الشاملة، ووضع صيغة علمية وعملية لانتقال قوة العمل، ووضع الحلول للحد من هجرة العقول خارج المنطقة العربية، ولابد من التأكيد على دور العمل العربي المشترك في مجال تنمية الموارد البشرية، لا سيما وأن جامعة الدول العربية والمؤسسات التابعة لها قد أوصت بذلك، فقد أقرت وثيقة العمل الاقتصادي القومي وإستراتيجية العمل الاقتصادي المشترك في عام 2000م بضرورة الاهتمام بالموارد البشرية والقوى العاملة وتنميتها وأولتها اهتماماً كبيراً.إن عملية بناء الإنسان عملية شاقة تتطلب العديد من الجهود، ولابد من التأكيد على التنسيق والتكامل بين السياسات السكانية وسياسات القوى العاملة وسياسات التعليم وإستراتيجية التنمية. وهذا التكامل ما هو إلا أحد جوانب خطة تنمية الموارد البشرية التي لابد أن تكون شاملة، ولا يمكن الاستفادة القصوى من الموارد البشرية في الدول العربية إلا عن طريق التعليم وتطويره ومحاربة الأمية والقضاء عليها وتطوير ملكات التعبير والإبداع، إضافة إلى رفع المستوى الصحي وتأمين الاحتياجات الإنسانية الضرورية ، تلك هي مهمة التخطيط الشامل للتنمية وما وراءه من أهداف اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى ومتوسطة المدى. بناء على ما تقدم، نشير إلى بعض التوصيات التي من شأنها رفع فعالية الموارد البشرية العربية للإسهام بشكل أكثر إيجابية في عملية التنمية الشاملة. ومن هذه التوصيات، ضرورة وجود جهاز مؤسسي يتولى الإشراف على برامج تنمية الموارد البشرية في الدولة ويتابع تنفيذها وتقويمها بالتنسيق بينها وبين جميع البرامج التنموية ذات الصلة بهدف رفع مستوى أدائها وتلافي التكرار والتعارض فيما بينهما، وضرورة تبني سياسة واضحة المعالم والأهداف تنسجم مع السياسة العامة للدولة وتتكامل مع خطتها التنموية، آخذة بعين الاعتبار الخصائص المميزة للمجتمع لتكون منطلقاً لأهداف تنمية الموارد البشرية بغية الارتقاء بنوعية الحياة للمواطن وتلبية الاحتياجات الآنية والمستقبلية للسكان، وتنظيم انتقال القوى العاملة بهدف حل مشكلة اختلال التوازن في سوق العمل العربي، وربط سياسة التخطيط الإنمائي مع سياسات تخطيط القوى العاملة، وخلق فرص عمل للأعداد المتوقع أن تدخل سوق العمل في المستقبل، وإنشاء مكاتب تشغيل تقوم بتجميع المعلومات عن أوضاع العمل والعمال بهدف تنسيق التشغيل فيما بينها، مع التأكيد على الاهتمام بقاعدة البيانات الخاصة بحجم العمالة ومؤشراتها الكمية والنوعية والهيكلية. * الخبير الاقتصادي والزراعي