رحم الله التحديات قريبة وقصيّة! ومرحبًا بها قريبة وبعيدة، مرحبًا بها فقد أيقظتنا من غفوتنا، ودفعت بنا في طريق الحياة الجديد، مرحبًا بها فقد وضعت أرجلنا في قاطرة التأريخ، التأريخ الذي بدأت أولى حلقاته في بذرة هذا الاتحاد، حقًا رحم الله التحديات فقد أرغمتنا أن نعيش عصرنا، ونلتفت إلى واقعنا، وننظر إليه نظرة تأمل وتفكر في قوانينه، ومرحبًا بإيران صانعة التحدي لنا ولدولنا، إنها جارتنا القريبة التي لن يطول الزمان بنا وبها حتى تعود من جديد إلى الصداقة والوئام، إنها حين ترى دولنا في قوة ومنعة وعزة فلا مناص لها من الرضوخ والرضا بعلاقات تقارب جديدة، تبنيها موازين القوى المتشابهة والمتساوية، هكذا أيها الأخوة دفع بنا وبدولنا التحدي الإيراني قبل أي تحد آخر إلى فهم قوانين الحياة، التي لا تُحابي الضعيف ولا المستكين. لن ننسى ولن تنسى أجيالنا أنّ التحدي الإيراني كان وراء هذه الفزة الاتحادية بين دول الخليج، لن ننسى؛ لأن ذلك سيُدون في تأريخنا الحديث، سيُدون فيه أنّ النفوذ الإيران وتمدد هذه الدولة الإسلامية أيقظنا، فشكرًا لحركة إيران التي حرّكتنا، إن تحدي إيران لنا أخرجنا من صمتنا وجعلنا نفكر حقًا في مستقبلنا، فلتبق إيران ذات نفوذ وقوة؛ لأننا نريد أن نستمر في العمل الجاد، والسعي الدائم، ولا نريد العودة من جديد إلى الخدر والنعاس، إنّ تقلص دور إيران في المنطقة أوإلحاق الأذى بها سيجعلنا نعود من جديد إلى ما كنا فيه، فهل نريد ذلك لها؟ بل هل نريد لأنفسنا أن نرجع كما كنا قبل تأريخ هذه الدعوة؟ هل نفكر جديًا في الدعاء على إيران أن تذهب أدراج الرياح؟ إنها إن ذهبت ولعلها لا تذهب ستجرنا معها إلى ركود جديد، إن بقاء إيران يُشكل تحديًا يدفع بنا في مضمار العمل، فليبق هذا التحدي، ولتبق دولته، فليس ثمة حياة دون تحديات، إن التحديات هي التي تصنع لنا ولغيرنا المستقبل، إننا لو لم نستشعر الخوف من هذه الدولة الإسلامية لما قمنا بشيء من العمل، فلنعرف لإيران ولغيرها من الدول صانعة التحديات قيمتها حين أعادتنا إلى الوعي من جديد، وأوقفتنا على أبواب التأريخ؟ قولي هذا هو ما أراه في الموقف من الدول المنافسة والجماعات المناهضة، فهي تبعث في الجسد الحياة، وتُعيد إليه النشاط، وما إخال من مصلحتنا أن نخسر من ينافسنا، ويصاولنا؛ لأننا حينئذ سنكون كالأفراد الذين لم يفهموا الحياة، ويريدون أن تخلو لهم دروبها من العقبات والتحديات، هذا ما أميل إليه، ويقرّ في نفسي أن أرى دول الخليج ودول العالم الإسلامي تتخذه شعارًا لها في شأنها الداخلي والخارجي، فترضى بما في هذين العالمين من تنوع واختلاف، وتتجه إلى التفكير في استثمارهما بدل التخوف منهما، وتمني زوالهما. لماذا يتجه بعضنا حين الحديث عن التحديات تلقائيًا إلى خارج الحدود؟ لماذا يعمد بعض الإخوان للبحث عما تقوم به الدول المنافسة لنا والمستفيدة مما نحن عليه!؟ أليس ذا أصلًا لا يمكن حله! الدول كلها وأفرادها كلهم يفرضون إرادتهم على الضعيف! فمن غير المقبول بل ربما كان من السخف أن يتم التركيز على التحديات الخارجية خاصة، ونحن نؤمن بأن المبدأ الذي تسير عليه الحياة في جانبها الفردي والجماعي هو المصالح! إن الواحد منا يمسك بزمام إدارة حكومية فيسعى جاهدًا أن يقدم القرابين ليبقى في هذا المنصب الذي أمسك بتلابيبه!! في مشهد يُذكرنا بما نسبه ونشتمه من تقديم القرابين للأصنام والأجداث قديًما وحديثًا! يتنازل في تطبيق النظام، الذي يكفل العدل العام، هذا الإنسان نفسه الذي يصنع بمؤسسته ما يصنع هو نفسه الذي يقف صارخًا بأنّ من وراء الحدود هم الذين يريدون أن يقفوا في طريق كل تقدم يحرزه الإنسان في هذا الوطن! لماذا لا يرى الإنسان ما يمارسه من تجاوزات، هي التي خلقت كل هذه المشكلات! هي التي خلقت فتور همم الناس في سبيل الإصلاح، وهي التي أوهت عزائمهم! إن الاتحاد الخليجي تواجهه تحديات سياسية دافعة، وتخاذلات شعبية قامعة، وما من التروي أن تعالج التحديات السياسية وحدها! فمتى تطرح التخاذلات الشعبية بعيدًا عن تبرئة الشعوب! إنّ الدولة يهيمن على إدارتها الشعب، فالدولة صورة لشبعها قبل أن تكون صورة لقادتها السياسيين!! إنّ القرارات السياسية التي لا تدعمها الممارسة الشعبية تظل حبرًا على ورق! إن ما يتخذه السياسي الصادق بعيدًا عن الروح التي تحرك الجمهور لا يجدي نفعًا، فهل تريد الشعوب حقًا ذلك الاتحاد؟ وإذا أرادته قولًا هل تُصَدّق ذلك الإرادة فتتعاون الشعوب أو نظل نردد: من يعلق الجرس! في إشارة واضحة إلى التواكل على الآخرين؟ أقول هذا، ونحن نعيش هذه الأيام وقبلها بقليل أحداث القلم التي بعثتها دعوة أبي متعب حفظه الله إلى الاتحاد الخليجي، إنها دعوة رائعة، كنت أنا وغيري ننتظرها منه، إنها مسيرة بدأها، فلم يكن من المستغرب أن يُكملها، إنها دعوته إلى الحوار الذي يقود إلى الانفتاح والقبول بالتنوع في الداخل والخارج، إنّ هذا التنوع الذي تُبنى جدرانه في الداخل لن يكون قادرًا على التماسك أمام الريح ما لم يُدعم بطاقات من يعيش قريبًا منه في دول الخليج، وبعيدًا عنه في الدول القريبة والبعيدة، لقد أصاب المحزّ كما تقول العرب أبو متعب حين دعا إلى الاتحاد الخليجي، فهذا الاتحاد أحد روافد التنوع، والنعم لا تدوم إلا بأمثالها وأشباهها. إنّ الحوار لن تقوم له قائمة دون دعائم التنوع، والرضا بالتجاذبات الداخلية والخارجية، إن البدء في هذا الاتحاد فعليًا يحقق الحوار الذي يدفع إليه تنوع هذه الدول في تجاربها ومشاريعها وأهدافها المستقبلية وطاقاتها البشرية، إنها دعوة إلى توسيع دائرة التنوع التي بدأتْ في الداخل، وانتهت بجمع إخوان الخليج فوق طاولة الاتحاد، إنها خيرات تنبجس من هم واحد، وهدف واحد، خيرات قاد إليها الانفتاح والسعي في توسيع قاعدته، فمرحبًا بالانفتاح، ومرحبًا بالتنوع، إنهما أُدم حياة المناضلين والساعين لأممهم أن تحتلّ حيث ترنو النفس وتتطلع العين. إن التنوع المخبوء في هذه الدعوة توسيع لدائرة المشاركة في صناعة مستقبل هذه الدول، إن هذه الدعوة ستجعل الدول تتدافع إلى تحقيق الأهداف وحيازة المستقبل إن شاء الله المشرق، إن من يريد صيانة أهدافه وتقويم العاملين معه ودفعهم إلى الأمام والعمل الدؤوب محتاج إلى دمجهم مع غيرهم، مما يجعلهم تحت سمع الآخرين وبصرهم، فيدخلون مُرغمين ميدان التنافس الذي به تنتعش الحياة، وتستيقظ قوى النفوس، فالتنوع والتقارب بين دول الخليج سيجعل كل واحدة منها مكشوفة الأوراق أمام أخواتها، مما يجعل إنسانها لا يجد مفرًا عن جودة العمل وحسن الأداء، فهو يعيش في جو يغرد فيه الأكثر كفاءة، والأعمق إخلاصًا، والأحدّ بصيرة. إن تنويع القاعدة خير وسيلة لإنضاج الرأي وإذكاء العمل، تلك هي قناعة الأفراد قبل الأمم وقيادات العمل، إننا في البحوث العلمية نؤمن إيمانًا مطلقًا بأن تنويع قاعدة العينة يعود بالنفع على البحث وعلى المستفيدين منه، إننا حين ننوع القاعدة المجتمعية التي تُشارك في رسم الأهداف وتحقيقها نُحارب عدوًا طالما تأففنا منه، إنه الاستبداد الذي ارتكب صاحبه مهما كان حسن النية والقصد جرمًا كبيرًا حين اكتفى بعقله حتى خُيّل إليه أن العقل الفردي هو الأسرع في الحل، والأنجع في مواجهة الشدائد. حين أرى أبا متعب حفظه الله وإخوانه في دول خليجنا أشعر بصدق السياسي وراء تحقيق هذا الحلم الخليجي؛ لكني حين أفتش في نفسي وفي واقعي أجد ممارسات الأفراد والأطياف والجماعات عائقًا كبيرًا في سبيل الاتحاد، إن الاتحاد يعني التنازلات في كثير من الأمور، إن الاتحاد يعني إيثار المصلحة العامة على الخاصة، إنه يعني تقديم مصلحة الاجتماع والوحدة على الخصوصيات الفردية والطائفية والطيفيّة والمذهبية! إن التنوع في الداخل ومع الخارج جعلنا نعرف فن التنازلات، ونتدرب عليه، ولن يطول بنا الوقت لندرك أن التنازل فن من فنون الحياة الضرورية، فن مَنْ لا يحسنه سيخسر في النهاية كل شيء! إن من لا يتقن فن التنازل لا ينجح في الحياة، ولا يصلح في قيادتها! فهل نتشرّب هذا القانون الحياتي، ويتنازل الجميع للجميع في الاهتمام بالمستقبل والعناية به والحديث عنه؟ هذا ما أرجو وأترقب؛ لنقف على اختلافنا وتنوعنا صفًّا، لا تُزلزله الكوائن ولا الأحداث الجسام.