نحن كمجتمع تعودنا وألفنا أن نربط التفوق العلمي بالنجاح ، ولو كانت مناهجنا في مراحل التعليم المختلفة سابقا ولحد الآن بعيدة عن التلقين وزرع الاتكالية بين الطلبة والطالبات ، وقادرة على تطوير قدرات طلبتها لما تجرأت على التساؤل عن مصداقية هذا الاعتقاد لكن هذا هو واقعنا والذي يحتم علينا أن نواجهه ونحن نعِد أنفسنا بمستقبل أفضل! كنت أشاهد تقريرا عن معرض ابتكار 2010 وما احتواه من اختراعات وأفكار واعده ،إلا أن سؤالا أو عبارة كان يرددها المذيع وهو يجري لقاءات مع عدد من المخترعين الأفراد والمخترعات ، قد سرقتني من حالة الإعجاب إلى التساؤل وأنا أستمع إلى المذيع وهو يسأل كل مخترع ومخترعة (طبعا إنت متفوق في دراستك) لتتوحد جميع الإجابات بنعم! فسألت نفسي هل منح الآخرون نفس الفرصة للإبداع والاختراع ، أم أننا قننا معاييرنا ووضعناها في قالب واحد فقط؟ أنا متأكدة بأن مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة" حريصة على دعم الموهوبين في جميع المجالات لكن ما هي مصادرها في البحث عن الموهبة؟ وهل مدارسنا بأنظمتها ومناهجها قادرة فعلا على اكتشاف المواهب ؟ أنا لا أتحدث عن التفوق العلمي ولكن عن التميز في طريقة التفكير. فليس بالضرورة أن يكون المبدع متفوقا في مواد اللغة العربية أو المواد العلمية لننتبه له ، وقد يكون مستواه متوسطا لكنه مبدع ومختلف عن عشرات المتفوقين. ولن أضرب أمثلة لأبرهن يكفي أن نمعن النظر في المبدعين لنكتشف أن أغلبهم كانوا جيدين وليسوا متفوقين علميا لكنهم حتما كانوا متميزين ونشأوا في بيئة قادرة على استقطاب تميزهم وابرازه بحيادية دون أن يربط ذلك بشكل رئيسي بتحصيلهم الدراسي. فهنالك فرق بين أن يكون الطالب قادرا ومتفوقا في حفظ المناهج واعادة سردها، وبأن يكون متميزا في فهمه لها حتى ولو لم يعطه معلموه على ذلك الدرجة الكاملة! كنتُ في مقال سابق تحدثت عن أهمية التعليم في تطوير القدرة على الابداع والرغبة في الاختراع ، وذكرت على ذلك أمثلة عن مناهج أجنبية تجبر تلاميذها على التفكير بطريقة مختلفة عن غيرهم وتسخير إمكاناتهم البسيطة لتسهيل احتياجاتهم من خلال مشاريع مدرسية بسيطة يقدمها الطلبة جميعا على اختلاف قدراتهم ويعبرون من خلالها عن مفهومهم لاحتياجاتهم وقدرتهم على الوصول إليها، دون أن يقلل أحد من قدر ابتكارهم أو أهميته. هنالك كثير من المتميزين ظلمتهم ظروفهم الاجتماعية وُحجبت قدراتهم في البيت والمدرسة وهنالك أناس عاديون الدعم المستمر من الأهل والتشجيع أبرزهم على أنهم متميزون . وإنه من مسؤولية التعليم لدينا أن تكون المدرسة أو المعهد او الجامعة هي الحضن الثاني الذي يمكن أن يلجأ إليه المتميز إذا ما افتقد الحضن الداعم له داخل المنزل . إنه من السهل التركيز على فئة وإبرازها كنخبة متفوقة من المجتمع لكن التحدي الحقيقي هو تغيير فكر جميع أفراد المجتمع من فكر اتكالي مستهلك إلى فكر مبدع ومخترع حتى ولو كان ذلك الاختراع بسيطاً ولا يهم سوى صاحبه !