كم لدى كل دولة من مهندسين وأطباء وعلماء ورجال أعمال وإدارة واقتصاد وعمالة متطورة؟ إنه سؤال يعني تطوراً تصاعدياً في النهضة الشاملة، وقفزات المملكة في التعليم التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، ليست قفزة للمجهول، أو استثماراً بلا عوائد، ومن هنا جاء إنشاء الجامعات والمعاهد، وتطوير آليات المناهج، وتغيير الهياكل التقليدية، التي توّجت بمد الابتعاث إلى خمس سنوات قادمة، لتؤكد أن المرحلة القادمة عندما تصل أعداد الجامعيين في كل الاختصاصات إلى نسبة عليا من السكان، سيكون المردود خلالها هائلاً ليس فقط على مؤسسات حكومية، بل على الصناعة والتدريس، وشغل المراكز العليا بكفاءات نادرة، وعندما نتحدث عن تجارب غيرنا مثل تايوان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا وغيرها، نجد أن أساس القفزات التنموية، جاء من الاستثمار البشري في التعليم.. الملك عبدالله يقود التحديث وفق استراتيجية بعيدة المدى، أي أن الإنسان هو رقم المعادلة الأساسي في أي نجاح، وهو مصدر العملية التي على أساسها يقوّم أي شعب، وقد يتعدى الأمر مسألة التعليم لذاته إلى تطوير الإنسان ورفع مستواه ، وهي رسالة طالما أخذت بعدها الأساسي في الحضارة وتعميم المعرفة، ومكافحة الأمية بعناصرها المختلفة من خلال مضاعفة المؤهلين الذين يقودون العملية النهضوية الشاملة.. فبلدنا يعيش مرحلة جيل الشباب من الجنسين، وعندما نخطو بتأهيل هذا العنصر في تعلُّم وتدريب متطورين، فهذا يعني أننا صعدنا أكثر من درجة في غرس بنية أساسية ذات أبعاد طويلة عندما يورث كلّ جيل للآخر تجاربه وبناءه الذاتي، والذي يعد تدويراً للتطور، وهو ما عاشته أوروبا منذ عصر النهضة إلى اليوم، وبدأت تعميمه على الشعوب الرائدة والمتطلعة إلى استنساخ الأسلوب المتطور في بناء حضاري متقدم على أسس تقوم على تطوير الإنسان.. وإذا كانت المملكة ثرية بمواردها، فإنها عندما تضيف إليها مورداً غير ناضب بالاستثمار البشري، وباستغلال تلك الثروة، تؤكد أن التكامل يأتي لخلق معمار مستمر، وقد رأينا كيف يحدث التغيير من خلال تصاعد نسب التعليم ، واستيعاب الطاقات بتدويرها في العملية التنموية، والملك عبدالله عندما يقود هذا العمل الكبير باستراتيجية تراعي أبعاد المستقبل والحاضر فإنه يضع في حسابه أن التحدي كبير جداً وأن الوصول إلى غايات متطورة، يعني أن الحسابات ستأتي بعلامة الزائد، وهي القيمة الثابتة في المشروع الطويل والعام لكل أبناء المملكة.. الخروج من عنق العالم الثالث إلى الثاني ثم الأول لا تحصر نتائجه بالمقادير التي نحصل عليها من الثروة الواحدة، بل بثراء الإنسان الذي يعد صافي الأرباح في كل ناتج، ولذلك فإن صورتنا خلال عقد أو عقدين من الزمن سوف تكون خلاقة ومتكافئة مع الآمال التي ينشدها كل مواطن..