عزيزي الدكتور إبراهيم، أكتب لك عن مشكلة لا أعتقد بأنها نادرة وأعتقد بأنك كتبت عنها وأجبت عن أسئلة مُشابهة ولكن المشكلة التي اكتب لك عنها ليست مشكلتي، إنما هي مشكلة والدي الذي أصبح مُدمناً على الكحول. إنه في العقد السادس من العمر ولديه ستة أبناء، ثلاثة أبناء، أنا أكبرهم وثلاث بنات في أعمارٍ مختلفة، أنا الأكبر أبلغ من العمر 28عاماً تخرجت في الجامعة وأعمل في وظيفة جيدة ومتزوج ولي طفلان وأعيش حياةً سعيدة مع زوجتي وطفليّ ولكن المشكلة هو الوالد. لقد كان واحداً من الجيل الذي تعلّم في الخارج قبل سنواتٍ طويلة وحصل على شهاداتٍ عليا، وشغل مناصب مرموقة وكذلك كوّن ثروةً لا بأس بها من مساهماته وعمله مشاركة بالتجارة مع بعض من أقاربه، حيث كان شخصاً ذكياً، طموحاً، يعمل بلا كللٍ او ملل، عندما كنتُ صغيراً، كنتُ فخوراً بأبي، بشهاداته العليا التي حصل عليها من خارج المملكة من الجامعات الأمريكية والأوربية وكذلك مكانته الاجتماعية، وانتمائه لطبقة المتعلمين القلة من جيله في المملكة. كنتُ أراه يشرب سائلاً لا أعرفه عندما كنتُ صغيراً وأسأله فيُجيبني ضاحكاً بأنه مشروب للاسترخاء للكبار، ثم عندما كبُرتُ قليلاً شرحت لي والدتي ماهو هذا الشراب، ولماذا هي غير راضية عن شرب أبي لهذا المشروب، وكانت أحياناً تبكي عندما يشرب أبي أمامنا الكحول. لم أعرف ماذا يعني هذا بالضبط حتى كبرتُ قليلاً، ولكني كنتُ معُجباً بأبي وبإنجازاته العملية والمالية ومُعاملته الراقية معنا كأبناء له. مع التقدم في العمر وازدياد ضغوط العمل عليه، بدأ أبي يشرب أكثر وأصبحت أراه في مناظر غير سارة، وعرفت معنى الكحول وعرفت كيف أثرّ على أبي، تكلمتُ معه عندما أصبحت طالباً في الجامعة، وكان شربه للكحول قد استشرى وأصبح يشرب كل يوم، وكان أخوتي الصغار يخافون من سلوكياته عندما يشرب الكحول، لأنها كانت سلوكيات غير التي اعتدنا عليها جميعاً من أبي، فهو شخص هادئ، حنون، لا يرفع صوته عندما يُخاطب أحداً منّا، ولكن عندما يشرب يُصبح شخصاً آخر. شخص عنيف، يتلفظ بالفاظ بذيئة على والدتي أمام أشقائي وشقيقاتي، الذين أصبحوا يكرهون وجوده في المنزل بعد أن كان وجوده مصدر سعادة لنا عندما كناّ أطفالاً، تدهور حاله في العمل وأصبح كثير التأخير والغياب عن العمل مما جعل رؤساءه في العمل لا يعتمدون عليه وأصبحت حياته تدور حول الشراب، حيث أصبح يشرب معظم اليوم، ويُهمل هندامه وأصبح كأنه عجوز. الحقيقة أنني وأخوتي أصبحنا نشعر بالخجل من سلوكياته، وبدأت أحواله المادية تتدهور، وأصبح يسهر كثيراً خارج المنزل ويأتي في آخر الليل سكران. عرضتُ عليه أن يتعالج في الخارج حتى لا يشعر بالإحراج، لكنه رفض وغضب من كلامي وتلفّظ عليّ بالفاظ نابية، مما دعاني للسكون وعدم الرد. مشكلتي ومشكلة العائلة الآن هي ماذا نفعل ونحن نرى والدنا الذي كان شخصية مرموقة، مُتعلمة وقد أصبح يسهر مع أشخاص ليسوا من مستواه الاجتماعي بل أقل ما يمكن أن أقوله عنهم أنهم رفقاء سوء، غير متعلمين في وظائف متُدنية. هل نُدخله رغماً عنه؟ رغم أني أشعر بأن ذلك سوف يحطّمه نفسياً وربما يقضي عليه اجتماعياً. أرجو أن تنصحني بماذا نفعل؟ ع. ص ما ذكرته عن والدك هو السيرة الكلاسيكية للوصول إلى إدمان الكحول. للأسف الكحول مادةٍ خطرة جداً،. فبحكم الكحول مسموح تعاطيه في معظم الدول العالمية فإنه مقبول اجتماعياً لديهم أن يشرب الشخص، وقد يبدأ الشخص في البداية تعاطي الكحول في المناسبات الاجتماعية ثم يزيد بالتدريج كما حدث مع والدك ويُصبح مدمناً. إذا أصبح الشخص مُدمناً على الكحول فإن حالته تتدهور في جميع نواحي حياته، فيتدهور في علاقاته العامة، ويتدهور في العمل حيث يُصبح غير مُنتج ويتغيّب كثيراً عن العمل مما يُفقده أحياناً وظيفته، كذلك قد يقوده الشراب وفقدان الإدراك إلى ارتكاب الخطايا والجرائم التي ربما تكون خطيرة. حياته المالية أيضاً تتدهور ويُصبح توفير الكحول هو الأولوية في حياته، فقبل أن يؤمّن مصاريف المنزل من المأكل وفواتير الكهرباء والهاتف وبقية مُتطلبات المنزل والأطفال، فإنه يؤّمن مشروبه للفترة حتى المُرتب القادم، وهذا يجعل العائلة تعيش في ضائقة مالية، حتى وان كان الشخص دخله مُرتفعا فإن ارتفاع قيمة الكحول،خاصةً في المملكة نظراً لأنه غير مسموح ببيعه، ويتم بيعه عن طريق التهريب وطرق اخرى، وهذا أدى إلى أن يرتفع سعر زجاجة الويسكي إلى مبلغ خيالي مقارنةً بأسعاره في بلاده. أما الأضرار الصحية فهي كثيرة وخطيرة، حيث الكحول يؤثر على الكبد بصورةٍ شديدة، خاصة لدى المدمنين على الكحول بصورةٍ فعلية، فيقود إلى تليّف الكبد وهو مرض خطير يؤدي إلى الوفاة، وصعب العلاج إذا كان تليّف الكبد ناتجاً عن الكحول. كذلك يؤثر على الجهاز الهضمي، فيسبب الحموضة والتقيؤ وتقرحات في المعدة ويوثر بشكل سيىء جداً على الجهاز الهضمي مما يجعل الشخص يُعاني من الآم حادة في معظم أجزاء الجهاز الهضمي. كذلك يؤثر على الجهاز العصبي، ويسبب فقدان الذاكرة. أما أخطاره الاجتماعية فهي كثيرة من انهيار الزواج، وتشتت الأطفال، والعزلة الاجتماعية التي يعيشها الشخص، أحياناً رغبة منه لأنه لا يريد أن يراه الآخرون وهو يشرب. بشكلٍ عام الإدمان على الكحول هو واحدٍ من أسوء الإدمان على المواد الكيمائية لأن الشخص ينزلق في الشراب ويصل إلى مرحلة الإدمان دون أن يشعر بخطورة ما هو مُقدمٌ عليه. كما ذكرت مع والدك المُتعلّم وصاحب المكانة الاجتماعية، والذي يرفض أن يتعالج في مصح خاص بالإدمان في الخارج، وأعتقد بأن هذه الطريقة هي أفضل ما يمكن فعله مع الوالد.