رمضان شهر الدعاء (السؤال من الله الكريم سبحانه)، وقد حفظ الناس الآداب، والأدعية المأثورة، وفضله، ومكانته. غير أن هناك مسألة قد ترد على بعضهم، وتوهم بما ظاهره الخير وهو في باطنه خلاف الأمر الإلهي والتوجيه النبويّ، وكل حال قلبي يخالفهما فهو مردود، وهذه المسألة هي: «حالي يغني عن سؤالي»، أو «السعيد من أغنيته عن السؤال منك». وربما مردّ هذا الالتباس قياس خاطئ، إذ حال الإنسان المتعفف يغنيه عن السؤال من الناس، حياء من أن تُرى في موضع قلّة وذلّة، فمن عرف حالك أغناه عن أن تسأله فتحرجه أو يهينك بالرفض، أمّا الكريم فيستغني بحالك عن سؤالك إياه. إلا أن هذا الحال لا ينتقل بأقيسة الأحوال إلى حالك مع الله سبحانه وتعالى، لأنّ أغراضك مع الناس هي سبب صلتك بهم، في حين سؤالك من الله هو وسيلة لصلتك به، فمهما صلح حالك وعظم فأنت المفتقر أبداً، والمحبّ لا تنقضي حاجته من التقرّب لمحبوبه ولو غمر بكل الحاجات من حوله، وكلما ازداد الإنسان محبّة زاد افتقاره للمحبوب الأعظم، فيتوجّه السؤال للحاجات حيناً، ويتوجه لحاجة الحاجات حيناً، وهو السؤال لدوام الصلة، ودوام التوكل، ودوام الاستحضار، ودوام الحاجة لرؤية كرم الله ولطفه به؛ فيترقى الإنسان بالسؤال من الله إلى مراتب القرب الروحاني العظيم، فيسأل الله لأنه يشتاق للجواب من الله، لا مجرد جواب تحقق المطلوب؛ فيرى لطف الله حالٌّ عليه، والمحبّ إذا أحبّ أدمن النداء؛ نداء من أحبّه: «وكثير من السؤال اشتياق وكثير من ردّه تعليل» ولله المثل الأعلى. أما الحال المخالف فقد ينتقل عن طريق وجدان غُمر في حضوره بين يدي الحق سبحانه وتعالى، وتغليب حضور اسم العلّام سبحانه على كثير من الموجهات الشرعيّة، فتوسّل بالحال عن المقال، لتقديمه طلب الحاجات -شعورياً- على طلب وجه ربّ الحاجات سبحانه، وقد ينال مطلوبه لما حصل في قلبه من حضور قلبي، وتعظيم، وحياء، وخشية، وربما لمحض فضل الله. غير أن السؤال بالحال، والاستغناء عن سؤال الله خلاف منهج الأنبياء عليهم السلام، وهم أكمل الخلق، وقد أوجب الله أن يسأله عباده، ومن أسلم منهم فقد علم أنه سائلٌ ربّه كل يوم وجوباً، سبعة عشر مرة، في سؤال الفاتحة الصريح «اهدنا الصراط المستقيم...». كذا الآيات القرآنية الآمرة بسؤال الله بجمل إنشائية، أو جمل خبرية تثني على السائلين، توجيهاً للاقتداء بهم؛ وأعظمهم الأنبياء عليهم السلام، في أمور دينهم ودنياهم. وقد حفظت لنا كتب السنة عدداً كبيراً من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الدائم، بين دعاء يومي وورد، وأدعية متفرقة، وابتهالات، وتعليم. فسؤال الله عبادة، فيها تمام الخضوع، وتمام التسليم، وكل تعلّق لك بأي شيء تبع لتعلقك بالله سبحانه وتعالى. ولعل أوهام النفس تعزل الإنسان عن كثرة السؤال (كثرة العبادة)، فقد توهمه نفسه في لحظة روحانية أن حاله يكفي عن السؤال! وله أن يجابهها ب «السؤال عبادة» فتكثّري يا نفس من العبادة. وقد يأتي الوهم بأن الحال يغني عن السؤال، وباطنه اليأس، مع كثرة الإلحاح بالدعاء وعدم حصول المطلوب عيانا بعدُ، فيلجأ إلى الاستغناء بالحال عن السؤال، وحقيقته أن قلبه يائس، لا أنه سائل بالحال، وهذا مبتلى يكاد أن يكون مفتوناً، وما يحصل له خطر عظيم، وليتذكر أن سؤال الله عبادة، هذا أصلها لا تحقق المطالب، وأن الله يحب المُلحين، وأن في الدعاء خير مقبل أو شر مصروف أو خير أعظم مدّخر. وقد وقف شيخ الإسلام ابن تيمية عند هذه المسألة وقفة تحرر الإشكال، ومما قال: «خاصيّة العبد أن يسأل ربّه، وخاصية الربّ أن يجيبه، فمن ظنَّ أنه يستغني عن سؤاله فقد خرج عن رِبقة العبودية». نسأل الله خير المسألة وأعظمها وأدومها وأحبّها إليه سبحانه.