في حياة كل واحد منا أشخاص يتركون بصمة لا تُمحى، حضورهم يشبه الظل الذي يرافقك أينما ذهبت، يدعمك في صمت، ويسندك عندما تتعثر. قد نكون محظوظين عندما نجد هؤلاء الأشخاص في الأصدقاء أو المقربين، لكن قمة الحظ والسعادة أن يكون هذا الشخص أخًا، شريك دم ونشأة، صديقًا لم تختره، لكنه كان دائمًا هناك، في كل لحظة، في كل موقف، في كل أزمة. بالنسبة لي، لم يكن أخي الأكبر عبدالرحمن مجرد أخ بالمعنى التقليدي، بل كان السند الحقيقي الذي أعانني عندما واجهت واحدة من أصعب المحن في حياتي. في ذلك الوقت، شعرت وكأن الأرض قد ضاقت بي، وكأن الأبواب أغلقت في وجهي، لكن عبدالرحمن لم يتركني وحيدًا، لم يسمح لي بالسقوط دون أن يمد لي يده، وكان ذلك درسًا عظيمًا في معنى الأخوة الحقيقية. الأخ الأكبر في كثير من الأحيان يكون أشبه بوالد ثانٍ، بحكم التجربة والخبرة، وبحكم الدور الذي يلعبه داخل الأسرة. يكبر قبلنا، ويواجه الحياة قبلنا، ويكتسب من المواقف ما يجعله أكثر حكمة وقدرة على توجيهنا عندما نحتاج إلى نصيحة أو دعم. عبدالرحمن لم يكن مجرد أخ، بل كان صديقًا وموجهًا، كان يبث في نفسي الطمأنينة حينما تشتد بي المصاعب. لم يكن دعمه مجرد كلمات عابرة، بل كان موقفًا، أفعالًا، ووجودًا حقيقيًا لا يختفي في الأوقات الحرجة. عندما واجهت محنتي، لم يكتفِ عبدالرحمن بالاستماع إليّ، بل وقف بجانبي، دعم قراراتي، وعمل على مساعدتي للخروج من تلك الأزمة. لم أشعر يومًا أنه متذمر أو يشعر بالعبء، بل كان يتصرف وكأن هذا هو دوره الطبيعي، وكأن وجوده بجانبي أمراً بديهياً، كما لو أنه يقول لي دون كلمات: "لست وحدك، أنا هنا دائمًا". يقال إن الشدائد هي الاختبار الحقيقي للعلاقات، وإن الإنسان لا يدرك قيمة من حوله إلا عندما يمر بأوقات صعبة، وهذا ما أدركته خلال أزمتي، كنت أظن أن الكثيرين سيكونون بجانبي، وأنني لن أواجه المشكلة وحدي، لكن الحقيقة أن بعض العلاقات كانت مجرد ظلال تتلاشى عند أول اختبار حقيقي. في المقابل، كان عبدالرحمن حاضرًا بكل ثقله، لم يكن مجرد مستمع أو متعاطف، بل كان مبادرًا، عمليًا، واقعيًا، ساعدني على رؤية الأمور من منظور مختلف، وأعطاني نصائح لم تخطر ببالي، وكان يصبر عليّ حين كنت أستسلم لليأس، لم يكن يسمح لي بالغرق في التشاؤم، وكان دائمًا يدفعني للنهوض من جديد. خلال تلك الأزمة، لم يكن الدعم العاطفي وحده هو ما قدمه لي عبدالرحمن، بل علّمني دروسًا مهمة في الحياة، دروسًا لن أنساها أبدًا: 1. أن أواجه مشكلاتي بشجاعة: في بعض الأحيان، كنا نميل إلى الهروب من الواقع أو تأجيل مواجهته، لكن عبدالرحمن علّمني أن الحلول لا تأتي بالانتظار، بل بالمواجهة والعمل على حل المشكلة. 2. أن أكون قويًا حتى عندما أشعر بالضعف: لم يكن يدعني أغرق في مشاعر الحزن، بل كان دائمًا يذكرني بأن القوة الحقيقية ليست في عدم السقوط، بل في النهوض بعد كل سقوط. 3. أن العلاقات الحقيقية تظهر في الأزمات: كنت أظن أنني محاط بأصدقاء كثر، لكنني أدركت أن القليل منهم فقط يستحق أن أطلق عليهم لقب "رفقاء الدرب"، وكان أخي عبدالرحمن على رأس القائمة. 4. أن الامتنان واجب وليس خيارًا: بعد أن وقفت على قدمي من جديد، تعلمت أن أشكر من وقفوا بجانبي، وألا أعتبر دعمهم لي أمرًا مسلمًا به، بل نعمة تستحق التقدير. قد نكسب أصدقاء، وقد نخسر آخرين، وقد تتغير علاقاتنا بالناس مع مرور الزمن، لكن علاقة الأخوة تبقى مختلفة. الأخ هو الشخص الذي يعرفك منذ ولادتك، يرى جميع نسخك، من الطفولة إلى النضج، يعرف نقاط ضعفك وقوتك، يراك في أسوأ حالاتك وأفضلها، ومع ذلك، لا يتغير حبه لك. في زمن أصبحت العلاقات فيه هشة، وأصبحت المصالح تطغى على المشاعر، أشعر بأنني محظوظ بوجود عبدالرحمن في حياتي. لم يكن يومًا شخصًا عابرًا، ولم يكن مجرد قريب تربطني به رابطة دم، بل كان نعمة حقيقية، لا يمكن تعويضها بأي شكل من الأشكال. أحيانًا نظن أن من يحبوننا يعرفون مقدار تقديرنا لهم دون أن نحتاج إلى قول ذلك، لكن الحقيقة أن الكلمات لها تأثير عظيم. لهذا أكتب هذا المقال، ليس فقط تعبيرًا عن امتناني، ولكن لأنني أدركت أن الشكر واجب علينا قبل أن يفوت الأوان. إلى أخي عبدالرحمن، لا أستطيع أن أوفيك حقك بالكلمات، لكنني أريدك أن تعرف أنك كنت، وما زلت، وستظل أعظم سند لي في هذه الحياة. أسأل الله أن يحفظك، ويمنحك من الخير أضعاف ما منحته لي، لأنك كنت لي أكثر من مجرد أخ، كنت لي نعمة حقيقية، وهدية من الله لا تقدر بثمن.