بعد أن آلت الفتوّة مع الخليفة الناصر العباسي إلى تنظيم عسكري، هو إمامه، وله شعائره، ومن أهمها إلباس السراويل للمنتسبين إليه، فالفتوّة أشبه بتنظيم اجتماعيّ عسكري وخلقي وديني في آن، له فقهاؤه، وأدبياته، وخطابه. كذا انتظم الأمر رغم اختلاف بين اتجاهات الفتوّة حتى عهد الظاهر بيبرس. ثم تحولت الفتوّة من جديد لتنظيمات شعبية، أشبه بنوع من عصابات الحواري، لا للاشتغال بالمحرمات ضرورة، لكنها مجتمعات متحزبة داخل المدن، لكل جماعة توجهها، حتى القرن الثامن الهجري، الذي ظهر فيه انتقال الفتوّة العربية إلى الأقاليم الأعجمية، فقد استحدث «سلاجقة الروم في الأناضول وآسية الصغرى نظاماً للفتوّة سمّوه «الأخِيَّة»... اجتذب جماعة من الفقهاء والقضاة والوجهاء». ويسمّون بالفتيان، والأَخِي هو المقدّم عندهم، رجل يجتمع حوله من أهل صناعته وغيرهم الشبان العُزّاب، ويؤثرونه على أنفسهم، ويجتمعون كل ليلة عنده بعد العصر بما تيسر من فاكهة وطعام، فإن حلّ ضيف بلدهم، قدموه للأخِي، فيكرمونه حتى ينصرف. وسمات «فتوّة العجم» عامة: «قربها من التصوّف وطرقه، وطابعها العسكري، وتعلقها بطوائف الحرف والصنائع». فهذا التشكيل الهيكلي سيدوّر بواسطة الخلافة العثمانية، ليدخل البلدان العربيّة من جديد. فليست الفتوّة العربية في أولها هي الفتوّة العربية في آخرها، فقد تغيرت تشكلاتها الهيكلية، كذا دخلتها مصطلحات تنظيمية، وتعبيرات، ليست من اللغة العربية، بل فارسية أو تركية. وعبر ثلاث جهات في ارتباط الفتوّة بالمهنة، وبالتصوّف، وبالتشيع، بحسب كل توجه؛ آلت الفتوة إلى ظاهرة تمدّن إسلامي، لها ثلاثة وجوه: وجه عسكريّ، ووجه حِرفيّ، ووجه تصوّفيّ، وهذه الوجوه في البيئة العربية بعد ذلك انحسرت بعدة سمات، فالوجه العسكري انحل إلى زعامات محليّة، منطقها القوّة، ومصدر عيشها جباية الأتاوات، مقابل حفظ الأمن، كذا المشاركة في دفع الاستعمار حينما حلّ بالعالم الإسلامي، واختلفت تسمياتهم وبعض سماتهم في الدول العربية، بحسب كل دولة، ففي مصر «أهل الفتوّة»- «المشاديد»، وفي الشام «القبضايات»، وفي العراق «أبو جاسم لِر»- «الأشقياء». والوجه الحِرفي احتفظ بالتراتبية الحرفية لأرباب الصناعات، وتقاليدهم، وأخلاقهم، حتى دخول الاحتلال الغربي، الذي حلَّ الهياكل الحرفية التي أقامت الاقتصاد المدنيّ عامة، وأزاحه بالاقتصاد الغربيّ. ووجه التصوّف بقي جانبه المفاهيمي، وذهب جانبه الطرقي. هذا الموجز لمآل «الفتوّة العربية المتأخرة»، من دراسة د. عبد الرزاق محمد عبدالرحمن، في كتاب «ميراث الفتيان». فليست هذه الدراسة أخباراً تروى، وتضاء لها مصابيح الليل مسامرة، بل هي إعادة نظر في حقيقة التشكل الاجتماعي المدني في الحضارة الإسلامية، والاقتصادي منه، كذا العسكري، ليعاد النظر في الدراسات الاستشراقية عامة، التي تنظر إلى التشكلات الاجتماعية بمنظور خارجي يُسقط عليها، دون دراسة عميقة للهياكل الاجتماعية التي تشكلت وحفظت المجتمعات، إن لخير بالغ فيها، أو بعض الخير، وكيف اندثر كثير منها، وبقي سر التماسك غامضاً، مع التحولات التي تجري على نظام واحد عبر التاريخ والأقاليم، فما بالك بمجموع الأنظمة عبر مختلف الأزمنة والأمكنة؟