أدركت المملكة العربية السعودية مبكراً أهمية القارة الأفريقية، الجيوستراتيجية، وانخرطت في تعزيز الشراكات معها، وفق رؤية 2030، بأطر حديثة واستراتيجية طموحة تُحقِّق لها وللقارة المزيدَ من المكاسب التي تخدم مصالحها، وتزيد من دورها الإقليمي الإيجابي والمؤثِّر. وتشكل الساحة الأفريقية بالنسبة للمملكة وشركائها في محور الاعتدال العربي مسرحًا رئيسا وأهمية التحرُّك الاستراتيجي المدروس والمتواصل المستدام. التوجه نحو إفريقيا والمملكة حين تتّجه، نحو تعزيز حضورها في جنوب أفريقيا، في مجالات متعددة تتّسق وأجندتها في التوجه نحو أفريقيا كقارة، في إطار تنويع علاقاتها وتعزيز مكانتها في أفريقيا. تعد جنوب أفريقيا ثاني أكبر اقتصاد في أفريقيا وأكثرها تنوعاً وازدهارا؛ باقتصاد متقدم تقنياً، وإمكانات اقتصادية كبيرة، وبنية تحتية متطورة، وقطاع خاص حيوي وتنافسي وكل تلك المقومات والعوامل المشتركة تشكل فرصة لتعزيز التعاون المشترك، والذي يمكن أن يكون تعاوناً استراتيجيا استثنائياً، خاصة بالنظر إلى حجم التحولات والتحديات التي يمر بها العالم في الوقت الحالي. نقطة الوصول إلى القارة وتعد جنوب أفريقيا نقطة وصول رئيسة إلى القارة الأفريقية، بينما تعتبر المملكة بوابة مهمة لآسيا والشرق الأوسط ونقطة محورية بين القارات الثلاث (آسيا، أفريقيا وأوروبا) ومحور ربط بين الشرق والغرب. وكلا البلدين عضو في مجموعة العشرين ومجموعة كبيرة من المنظمات الإقليمية والدولية. زيارة راما فوزا حققت أهدافها وحققت زيارة رئيس جمهورية جنوب أفريقيا سيريل راما فوزا إلى المملكة مخرجات جمة وكانت، فرصة للتشاور والتباحث بين حكومتي البلدين حول التطورات الدولية الراهنة، وتهدف المملكة إلى تعزيز مكانتها في أفريقيا. الدبلوماسية لخدمة المصالح وشرعت المملكة في تكثيف مساعيها الدبلوماسية لخدمة مصالحها من خلال التحرك شرقا وغربا وجنوبا وشمالا. ومنذ عودة السلطة إلى الأفارقة السود من أبناء البلاد نهجت جمهورية جنوب إفريقيا سياسة اقتصادية قامت على فكرة التكامل الإقليمي، وجعلت منها القوة الصاعدة الأهم على صعيد القارّة، ذلك من خلال استفادتها من مكانتها السياسية والاقتصادية على مستوى القارة الأفريقية وقدراتها العسكرية التي جعلت منها، قوة فاعلة على المستوى الأفريقي وتتمتع بشبكة علاقات دولية واسعة على المسرح الدولي، مستفيدة من دعم القوى الكبرى كشريك استراتيجي. مراحل حاسمة وشهدت جنوب أفريقيا مرحلتين حاسمتين لهذا الصعود؛ الأول وصول حزب المؤتمر الأفريقي إلى السلطة عام 1994، حيث أصبح الراحل نيلسون مانديلا رئيساً، وسمحت مكانته الدولية بحصول السياسة الخارجية لبلاده على قدر كبير من المصداقية واكتسابها الكثير من النفوذ على الصعيد العالمي العام. التحولات في موازين القوى ومن جهة أخرى، أدت نهاية الحرب الباردة إلى تحوّل عميق في موازين القوى داخل النظام الدولي، وقاربت بين استراتيجيات القوى الفاعلة على المستوى الوطني التي التقت حول تبنّي سياسة خارجية نشطة ترمي إلى تغيير جذري للمكانة الدولية لجنوب أفريقيا. الصوت المسموع وتبنّت جنوب أفريقيا خطاب القوة الصاعدة حتى أصبح لها صوت مسموع، كما ظهر ذلك في إطار منظمة التجارة العالمية، حيث تحالفت مع القوى الصاعدة الأخرى. تعزيز الشراكة بالمقابل فإن المملكة نجحت في تعزيز الشراكة مع جنوب أفريقيا، محكومة بتعزيز المصالح والأولويات المشتركة»، وقدرة الرياض على الوفاء بتعهُّداتها في مجال تعزيز السياسات في ملفّات أفريقية مهمّة، وسط نموّ أدوار القوى الإقليمية والدولية. صياغة علاقات استراتيجية وتهدف المملكة من خلال توجيه بوصلتها تجاه دول القارة الأفريقية، وفق رؤية 2030 التي تنطلق من أهمية العمل على إعادة صوغ علاقات المملكة مع دول القارة السمراء، عبر مسارات كثيرة لتعزيز المصالح الاستراتيجية وعدم ترك القارة لقوى إقليمية حاولت استغلال مسرح العمليات الأفريقي من أجل التأثير سلباً على المصالح العربية، وكذلك للتأكيد على المكانة الدولية والإقليمية للمملكة باعتبارها أحد أعضاء مجموعة العشرين، ودولة قائداً في إطار التحالف العربي – الإسلامي لمكافحة الإرهاب، والتحالف الدولي لمحاربة التنظيمات الإرهابية. تاريخ حافل وتعود بداية العلاقات الرسمية بين البلدين الصديقين إلى نوفمبر 1994، عندما قام رئيس جمهورية جنوب أفريقيا الأسبق نيلسون مانديلا بزيارة رسمية إلى المملكة، تلاها افتتاح بعثتين دبلوماسيتين لجنوب أفريقيا (السفارة في الرياض والقنصلية العامة بجدة) في مارس 1995، ثم افتتاح السفارة السعودية في بريتوريا في العام 1997. تعزيز التعاون العسكري وحظي التعاون في المجال العسكري باهتمام كبير من الجانبين، إذ يمثل هذا المجال ملفاً رئيساً للتعاون بين البلدين؛ لاسيما في مجال الصناعات الدفاعية، إذ تسعى المملكة إلى توطين ما يزيد على 50 % من إنفاقها العسكري بحلول العام 2030، والاستفادة من الخبرات الجنوب أفريقية في هذا المجال. كما مثّل التعاون الاقتصادي بمفهومه الشامل حجر الزاوية في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، لاسيما وأنهما يتمتعان بإمكانات اقتصادية وثروات طبيعية كبيرة، ويحرصان على تفعيلها وتنميتها واستغلالها بكفاءة عالية، لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، وأهداف خطة التنمية الوطنية 2030 بجنوب أفريقيا. زمن التحالفات السياسية وفي زمن تحوُّل التحالفات السياسية وإعادة رسم خريطة الجغرافيا السياسية في كامل المنطقة؛ أدركت المملكة أن الخارطة السياسية في العالم لا تسمح بوجود الدول المنفردة، وإنما الحلُّ هو عبر تنويع العلاقات ولذا سعت الرياض لترتيب علاقاتها الخارجية من خلال النشاط الدبلوماسي النشط حتى أصبحت قبلةً لزيارات متواصلة لزعماء وسياسيين من مختلف أنحاء العالم، وإليها تتجه بوصلة السياسة بغيةَ تأسيس تحالفات ثنائية ودولية تُمثِّل عهدًا جديدًا في السياسة الخارجية السعودية من خلال تنويع علاقاتها مع مختلف دول العالم في جميع الاتجاهات، ورغبة في الانفتاح السياسي على الجميع، وهو ما يُشكِّل تحوُّلًا جوهريًّا في السياسة السعودية، أفرزته الأحداث المختلفة في العالم. اللجنة المشتركة وسعت المملكة من خلال اللجنة السعودية الجنوب أفريقية المشتركة إلى توفير الأرضية والمناخ المناسب للقطاع الخاص لاستغلال الفرص الاستثمارية والتجارية في البلدين بالمستوى المأمول، وتذليل العوائق التي تحد من تدفق الاستثمارات والتبادلات التجارية بينهما، والارتقاء بمجالات التعاون الأخرى إلى مستويات أعلى. ونما التبادل التجاري بين البلدين في العام 2021 مسجلاً مايقارب خمسة مليارات دولار. 11 اتفاقية وشهد منتدى الاستثمار السعودي الجنوب أفريقي، الذي استضافته مدينة جدة، توقيع 11 اتفاقية ومذكرة تفاهم في القطاعين الحكومي والخاص. في مجالات الطاقة والمياه والهيدروجين الأخضر وتحويل النفايات والخدمات اللوجستية وخدمات المسح الجوي. وتهدف الاتفاقيات إلى تعزيز القطاعات الاستثمارية النامية بين البلدين وبين منطقة الشرق الأوسط ومنطقة جنوب أفريقيا، وستعمل على نقل المعرفة. ويسعى البلدان إلى التعاون في زيادة حجم التبادل التجاري بينهما، وتشجيع الاستثمارات المشتركة في المشاريع الاقتصادية والبنية التحتية، وتقديم التسهيلات والحوافز لهذه الاستثمارات، بما يتوافق مع طموحات البلدين والشعبين الصديقين. ومن المتوقع أن يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين حاجز ال5.3 مليارات دولار أميركي في عام 2022. ويتعاون البلدان في مجال الطاقة المتجددة وإنتاجها وتطوير مشروعاتها وصناعاتها، وتعزيز التعاون القائم لشركة أكوا باور في جنوب أفريقيا، والتي استثمرت في أربعة مشروعات قائمة يجري الإعداد لتنفيذها في هذا المجال. نفوذ وتأثير جنوب أفريقيا ويتمحور نفوذ جمهورية جنوب أفريقيا في القارة الأفريقية من خلال ثلاث دوائر، الدائرة الأولى تتناظر مع دول الجوار القريب. أما الدائرة الثانية تضم البلدان المجاورة الأبعد، أي مالاوي وموزمبيق وزامبيا وزمبابوي، والدائرة الثالثة تضم مجمل بلدان منطقة جنوب القارة وعدة بلدان أخرى منها. وهذه البلدان هي أقل أهمية لجنوب أفريقيا على الصعيد التجاري.