جمعت الأراضي المباركة في مكةالمكرمة ما يقارب 1300 مفتٍ وعالم ووزير ومفكر إسلامي، أتوا من 127 دولة في تجمع يعد هو الأكبر من نوعه إسلامياً في العصر الحديث تحت عنوان مؤتمر الوحدة الإسلامية: «مخاطر التصنيف والإقصاء». فقد جاء الحدث في توقيت بالغ الأهمية من حيث السياق الذي تعيشه الأمة الإسلامية، من حاضر مثقل بالخلاف بين أبناء الدين الواحد وسياق ظهرت فيه مساعي دول للاستئثار بالدين الإسلامي الحنيف وتوظيفه في مشروعات إقليمية وعالمية من دون الاكتراث بالعواقب السلبية لذلك. وقد خرجت وثيقة المؤتمر داعية إلى إنشاء لجنة جامعة لصياغة ميثاق إسلامي شامل يتضمن قواعد الخلاف التي تحكم علاقة المسلمين، ويُبين الأصول والثوابت الجامعة لهم، ويحرر مواضع النزاع المهمة، ويحيلها لأهل الاختصاص للدراسة والنظر تمهيداً لإعلان وثيقة إسلامية جامعة يتم عقد ميثاقها بجوار بيت الله الحرام. ولعل من أبرز الموضوعات التي اختارتها رابطة العالم الإسلامي كي تكون أحد مسارات المؤتمر هو موضوع الدولة القومية وتعزيز مفاهيمها وقيمها المشتركة. حيث يسلط موضوع الدولة القومية الضوء على أحد أهم المسائل التي تتخذها الجماعات المتطرفة مثل تيار الإخوان والتنظيمات الإرهابية منطلقا في فكرها وأعمالها. فقد أعادت الوثيقة الختامية التذكير بالمفاهيم الإجرائية للدولة القومية والتي استقرت عليها الإنسانية في العصر الحديث كطريق أساسي للتعامل مع مشكلات الأمة الإسلامية. إذ حذرت الوثيقة من تصدير الفتاوى خارج نطاقها المكاني وحثت على قصر العمل الموضوعي بالشؤون الدينية على المرجعيات العلمية الموحدة لكل دولة مؤكدة على أن لكل جهة أحوالها وأعرافها الخاصة بها. ومن هذا المنطلق يشير التجمع الإسلامي الكبير إلى أبرز السمات والخصائص التي تمثل الجماعات الممارسة للتصنيف والإقصاء مثل التيارات الإخوانية والتكفيرية المتطرفة. تتبنى جماعة الإخوان الإرهابية صورا وقراءات فكرية متعددة تطعن في شرعية الدولة القومية وتنظر لها نظرة توظيفية لتحقيق حلم الخلافة، حيث دائما ما تحاول تلك الجماعات أن تغطي على فشلها في التعايش والحوار والتأقلم على المستوى المحلي الوطني باستخدام مصطلحات فوق المستوى المحلي والوطني مثل مشروع الخلافة. ليس ذلك فحسب، فإن الجماعات الإرهابية والإخوانية المتطرفة تمعن في إصدار فتاوى عابرة للقارات ومن قبل أفراد ومؤسسات لا تتبنى المنهج العلمي والشرعي مستغلة حالة الانفتاح في وسائل التواصل والاتصال. فقد استبدلت تلك الجماعات المنهج العلمي بالأيديولوجية السياسية التي تلبي أفكار قادتها ومؤسساتها المخترقة من أجهزة مخابرات إقليمية، وعكفت على توظيف نصوص القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية الشريفة لصالح منتجها الفكري. وإذ ينتج عن ذلك ترسيخ لقواعد التصنيف والإقصاء والتحزب لمعاداة ومناجزة الآخر، وهو ما يتعارض مع مقاصد الدين الإسلامي الحنيف ووحدة المسلمين والحوار بين أبناء الدين الواحد. ولم تقتصر الأبعاد السلبية للطعن في مفاهيم الدولة القومية وسلاح الفتاوى العابرة للحدود على ذلك الأمر، فقد أدى إلى إنتاج تلك الجماعات نوعا جديدا من الهويات والانتماءات التي لا تعترف بالولاء للدولة القومية، بل تعاديها لصالح الولاء والانتماء لتلك الجماعات والدول الإقليمية التي تتبنى وترعى تلك الجماعات. ولعل تلك الجماعات تلعب دورا كبيرا على الأقليات المسلمة التي تعيش في مجتمعات غير مسلمة، إذ تتبنى تلك الجماعات مناهج لا تؤمن بالجوار والتعايش، بل تركز على المعاداة والمناجزة والاختلاف والصراع. وهو ما دفع الوثيقة الختامية ورابطة العالم الإسلامي على التأكيد على ضرورة التزام الأقليات المسلمة في البلدان الغربية بالقوانين والأطر التشريعية التي تحكم تلك البلدان والحياة العامة فيها. إذ يعتبر الالتزام بالقوانين والأطر التشريعية في أي مجتمع - وهو ما يدعم تطبيقات مفهوم الدولة القومية - صمام أمان لتلك الأقليات من الأفكار والسياسات المتطرفة التي تبثها الجماعات الإخوانية والتكفيرية. تأتي الوثيقة الختامية للمؤتمر ومجموعة التوصيات الشاملة المتعلقة بتفعيل مفهوم غير سياسي للوحدة الإسلامية يقوم على القيم والمبادئ الإنسانية وليس على الأيديولوجيات ومشروعات التوسع الجيوسياسية في وقت تتبنى فيه المملكة سياسات وإجراءات تعالج الأثار السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها حالة التنظيمات الإرهابية المتطرفة التي تدعمها الدوحة وطهران. فبجانب التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب والمركز العالمي لمحاربة الفكر المتطرف (اعتدال) والدور الإقليمي والعالمي للرياض في محاربة الإرهاب ودعم ركائز الاستقرار والأمن الدوليين، يمثل مؤتمر الوحدة الإسلامية الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي مظهرا من مظاهر قيادة المملكة الحكيمة والرشيدة للعالم الإسلامي، أملاً في تصحيح المسار الذي أفسدته تيارات الإخوان والتطرف.